+ الرد على الموضوع
صفحة 31 من 32 الأولىالأولى ... 21 29 30 31 32 الأخيرةالأخيرة
النتائج 301 إلى 310 من 320

الموضوع: الموسوعة العقدية


  1. #301
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    أ- قوم قالوا بالمنع مطلقًا سواء اتسعت رقعة الدولة الإسلامية أم لا، وإلى هذا القول ذهب أكثر أهل السنة والجماعة، وبعض المعتزلة حتى زعم النووي اتفاق العلماء عليه .
    ب- وهناك من قال بالمنع إلا أن يكون هناك سبب مانع من الإتحاد على إمام واحد، ويقتضي هذا السبب التعدد، ففي هذه الحالة يجوز التعدد. وذكر إمام الحرمين الجويني أهم هذه الأسباب في قوله: (منها اتساع الخطة، وانسحاب الإسلام على أقطار متباينة، وجزائر في الحج متقاذفة، وقد يقع قوم من الناس نبذة من الدنيا لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وقد يتولج خط من ديار الكفر بين خطة الإسلام، وينقطع بسبب ذلك نظر الإمام عن الذين وراءه من المسلمين...) قال: (فإذا اتفق ما ذكرناه فقد صار صائرون عند ذلك إلى تجويز نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه أثر نظر الإمام) .
    وعزا الجويني هذا القول إلى شيخه أبي الحسن الأشعري، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي ، ورجحه أبو منصور البغدادي ، وإلى ذلك ذهب القرطبي في تفسيره فقال: (لكن إذا تباعدت الأقطار، وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك) .
    لكن يلاحظ من أقوال المجيزين عند اتساع الرقعة، إنما ذلك بسبب الضرورة، وإلا فإن وحدة الإمامة هي الأصل، وإن التعدد إنما أبيح على سيبل الاستثناء المحض، ولضرورات تجيزه، والضرورة تقدر بقدرها وإذا زالت الضرورة زال حكمها وبقي الأصل.
    استدلوا على ما ذهبوا إليه بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
    1- من الكتاب:
    فقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدعو المسلمين وتأمرهم بالإجماع والتآلف، وتنهى عن التفرق والاختلاف المؤديين إلى التنازع والفشل، فمن هذه الآيات قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً...} [ آل عمران: 103].
    ومنها قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].
    ومنها قوله عز من قائل: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [ الأنفال: 46]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.
    ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها جميعًا جاءت متفقة على الأمر بالوحدة والتضامن، والنهي عن التشتت والافتراق والاختلاف، لما ينجم عن ذلك عادة من التنازع والفشل الممقوت، وكلها تدل على وجوب وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها، وذلك لا يتأتى إلا إذا كان إمامها واحدًا لا ينازعه أحد، إذ إن وجود إمامين فأكثر يؤدي إلى غيرة أحدهما من الآخر، ومنافسته له، ومحاولة التعالي عليه، ومن ثم إلى الشقاق والتناحر لا محالة، وهذا مما نهى الإسلام عنه، فدل على وجوب أن يكون إمام المسلمين واحدًا، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
    2- من السنة:
    أما من السنة فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث صحيحة صريحة في هذه تدل على وجوب منع تعدد الأئمة في الزمن الواحد ومن هذه الأحاديث:
    أ- ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)) . فالأمر بقتل الآخر يدل على تحريم نصب إمامين في آن واحد، لأن القتل لا يكون إلا عن كبيرة يتفاقم خطرها. لذلك فلا يجوز عقد البيعة لخليفتين في زمن واحد.
    وأول بعض العلماء القتل هنا بالخلع والاعتراض عليه لا بالقتل الحقيقي .
    ولكن هذا التأويل لا محل له ومردود بالحديث التالي:
    ب- ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر...)) الحديث .
    جـ- ما رواه أبو حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: وفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) .
    د- ومنها ما رواه عرفجة بن شريح قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) .
    3- الإجماع:
    فإن الصحابة رضي الله عنهم قد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يلي إمامة الأمة أكثر من واحد، ودليل ذلك أن المهاجرين لم يوافقوا الأنصار في طلبهم أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير حينما طلبوا ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكان مما روي في ذلك الموقف قول أبي بكر رضي الله عنه: (هيهات أن يجتمع سيفان في غمد) عندئذٍ رضي الأنصار بذلك، فصار ذلك منهم إجماعًا على عدم جواز تعدد الأئمة، بل روى البيهقي في الخطبة نفسها عبارة أكثر تصريحًا من السابقة وهي قوله: (أنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامهم، وتتفرق جماعتهم ويتنازعون فيما بينهم، هنالك تترك السنة، وتظهر البدعة، وتعظم الفتنة، وليس لأحد على ذلك صلاح) .
    أما من بعدهم فقد نقل الإجماع على ذلك النووي ، وإمام الحرمين الجويني ، والقرطبي ، والقاضي عبد الجبار (من المعتزلة) وابن حزم حيث قال: (واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقت واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد) . وخالفه في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:
    (النزاع في ذلك معروف بين المتكلمين في هذه المسألة كأهل الكلام والنظر، فمذهب الكرامية وغيرهم جواز ذلك، وأن عليًا كان إمامًا ومعاوية كان إمامًا، وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أن كلاً منهم ينفذ حكمه في أهل ولايته كما ينفذ حكم الإمام الواحد، وأما جواز العقد لهما فهذا لا يفعل مع اتفاق الأمة...) لكن نفاذ حكم الثاني كنفاذ حكم الإمام المتغلب على حد سواء، فلا ينافي هذا الحكم المجمع عليه، وليس الكلام إلا حكم الشرع، أما الأمور الطارئة فلها مجال آخر، وتأخذ أحكام الضرورة.
    والمراد بالإجماع المذكور هنا هو: إجماع الصحابة وسلف هذه الأمة، وإلا فقد سبق أن ذكرنا من خالف في هذه المسألة من الكرامية وغيرهم من أهل الأهواء، ولكن مخالفتهم لا تؤثر في إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك، لأن الإجماع المقصود: إجماعهم لا إجماع جميع الناس... والله أعلم.
    4- المعقول: أما الدليل بالمعقول فإن تعدد الأئمة للأمة الإسلامية الواحدة يؤدي إلى الاختلاف والشقاق والخصومات وحصول الفتن والاضطرابات والقلاقل، واختلاف أمر الدين والدنيا، وهذا لا يجوز. وبناء على ذلك فلا تجوز الإمامة لأكثر من واحد في زمن واحد.
    وكذلك لو جاز في العالم إمامان لجاز أن يكون ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان، ومدعيًا بلا دليل، وهذا الباطل الذي لا يعجز عنه أحد، وإن جاز ذلك الأمر حتى يكون في كل عام إمام، أوفي كل مدينة إمام، أو في كل قرية إمام، أو يكون كل واحد إمامًا وخليفة في منزله، وهذا الفساد المحض وهلاك الدين والدنيا .
    قال الشوكاني: إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما، فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين، ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك.
    وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدرى من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب، فضلا عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن وهكذا العكس، فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها.
    تمهيد في معنى المعروف والمنكر
    المبحث الأول: معنى المعروف والمنكر لغة
    المعروف في اللغة، يدور معناه غالبا على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه والمنكر في اللغة، يدور معناه غالبا على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه.
    قال في القاموس: عرفه يعرفه معرفة وعرفانا وعرفة بالكسر، وعِرِفّانا بكسرتين مشددة الفاء، علمه، والمعروف ضد المنكر.
    والنكر بالضم وبضمتين، المنكر كالنكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمر كفرح نكرا محركة، ونكرا ونكورا بضمها ونكيرا، وأنكره واستنكره وتناكره جهله، والمنكر ضد المعروف.
    وقال في لسان العرب: عرف العرفان العلم.... والمعروف ضد المنكر، والعرف ضد النكر، يقال: أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف والعارفة خلاف النكر، والمعرف كالعرف، وقوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، والإنكار الجحود، وقوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]، أي أقبح الأصوات: والنُكْر، والنكُرُ الأمر الشديد، والمنكر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر، والنكْر والنكراء، ممدود، المنكر، وفي التنزيل العزيز، {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [الكهف:74]، ونكر الأمر نكيرا، وأنكر إنكارا ونُكرا، جهله عن كراع، وفي التنزيل العزيز: {نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [ هود:70].
    وقال في المعجم الوسيط: العرف المعروف وهو خلاف النكر وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم.
    نكر فلان نكرا ونُكرا ونكاره، فطن وجاد رأيه،،، والشيء جهله، وفي التنزيل العزيز: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} [ هود:70]، ونكر الأمر نكاره صعب واشتد وصار منكرا، وأنكر الشيء جهله، وفي التنزيل العزيز: {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [ يوسف:58]، وحقه جحده، وفي التنزيل العزيز: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83]
    المبحث الثاني: معنى المعروف والمنكر شرعاً
    المعروف في الشرع: كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله عز وجل والإيمان به.
    والمنكر في الشرع: كل ما ينكره الشرع وينهي عنه ويذمه ويذم أهله، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها الشرك بالله عز وجل وإنكار وحدانيته أو ربوبيته أو أسمائه أو صفاته.
    وعبارات المفسرين في تفسير المعروف والمنكر، لا تتجاوز ذلك.
    فقيل: المعروف: كل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد.
    وقيل: المعروف: الخير كله، والمنكر جميع الشر.
    وقيل: المعروف: ما عرف حسنه شرعا وعقلا، والمنكر: ما عرف قبحه شرعا وعقلا.
    وقيل: المعروف: الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه
    وقيل: المعروف طاعة الله وما يعرفه الشرع وأعمال البر كلها.
    وقيل: المعروف: الإيمان، والمنكر الشرك، وقيل المعروف السنة، والمنكر البدعة
    وقيل: المعروف: خلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام.
    والمنكر. عبادة الأصنام وقطع الأرحام وقيل: المعروف: الطاعات والفضائل أجمع.
    وقيل: العرف، صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار والاستعداد لدار القرار.
    وقيل: المعروف: عبادة وتوحيده وكل ما أتبع ذلك، والمنكر، عبادة الأوثان وكل ما أتبع ذلك ، وهذا الأقوال كلها حق ولا تنافي بينها.
    وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث:
    (عرف) قد تكرر ذكر المعروف في الحديث، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه، من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي أمر معروف بني الناس، إذا رأوه لا ينكرونه، والمعروف النصفة وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس، والمنكر ضد ذلك جميعه.
    وقال: وقد تكرر ذكر الإنكار والمنكر في الحديث، وهو ضد المعروف وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو منكر يقال: أنكر الشيء ينكره إنكارا فهو منكر، ونكره ينكره نكرا فهو منكور، واستنكره فهو مستنكر والنكير الإنكار، والإنكار الجحود.
    المبحث الثالث: المراد بالمعروف والمنكر عند اجتماعهما، وانفراد أحدهما
    إذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر فإنه يدخل فيه النهي عن المنكر وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف ولأنه لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر، ومثال ذلك قول الله تعالى {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [ النساء:114]، فإن الأمر بالمعروف يتضمن النهي عن المنكر.
    وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر، من غير أن يقرن بالأمر بالمعروف فإنه يدخل فيه الأمر بالمعروف وذلك لأن ترك المعروف من المنكر، ولأنه لا يتم ترك الشر إلا بفعل الخير.
    ومثال ذلك قول الله تعالى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [ الأعراف:165]، فإن نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.
    وأما عند اقتران أحدهما بالآخر فيفسر المعروف بفعل الأوامر ويفسر المنكر بترك ا لنواهي، وأمثلة ذلك كثيرة في كتاب الله تعالى. كقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة:71]
    الفصل الأول: فوائدالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضله، وحكمه
    المبحث الأول: فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    هناك حكم عظيمة تتحقق عند القيام بهذا الجانب العظيم من الدين.. وإذا تأملت هذه الحكم تجدها إما راجعة ومتعلقة بالآمر الناهي، وإما عائدة إلى المأمور المنهي، وإما عامة للجميع..
    ويمكننا تلخيص هذه الجوانب الثلاثة فيما يلي:
    (1) الفوائد والمصالح العائدة للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر:
    أ- خروجه من عهدة التكليف ، ولذا قال الذين حذروا المعتدين في السبت من بني إسرائيل لما قيل لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: 164] قالوا: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} فالساكت عن الحق مؤاخذ ومتوعد بالعقوبة، كما أنه شيطان أخرس.
    قال علي بن الحسين: (التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره إلا أن يتقي منهم تقاه. قالوا وما تقاه؟ قال: يخاف جباراً عنيداً أن يسطو عليه وأن يطغى) .
    ب- إقامة حجة الله على خلقه . قال الله تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 16].
    ج- الشهادة على الخلق.. قال الإمام مالك –رحمه الله-: (وينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهوداً على من عصاه) أ.هـ.
    د- أداء بعض حق الله تعالى عليه من شكر النعم التي أسداها له من صحة البدن وسلامة الأعضاء.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم ((يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة..)) .
    هـ- تحصيل الثواب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، سواء كانت الأدلة خاصة كالحديث السابق أم كانت عامة كقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] ومثل ذا كثير في الأصلين.
    و- تكفير السيئات.. قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]. وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) . وجاء في حديث حذيفة لما سأله عمر –رضي الله عنه عن الفتنة: ((فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف)) قال سليمان: قد كان يقول: ((الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..)) .
    ز- النجاة من العذاب الدنيوي والأخروي الذي توعد الله به من قعد عن هذا الواجب وأهمله.
    وحينما يحل العذاب بقوم ظالمين فإن الله ينجي الذين ينهون عن السوء، كما قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116 – 117] وقال: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165].
    ح- التشبه بالرسل والقيام بدعوتهم والسير في طريقهم.
    ط- إلقاء هيبته في قلوب الخلق.
    (2) الفوائد والمصالح العائدة على المأمور والمنهي:
    أ- رجاء الانتفاع والاستقامة، كما قال لنا الناصحون من بني إسرائيل لمن قال لهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا...} {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9] وقال: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].
    ب- تهيئة الأسباب لتحقيق النجاة الدنيوية والأخروية. قال أبو هريرة –رضي الله عنه في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]: ((خير الناس للناس يجاء بهم وفي أعناقهم السلاسل حتى يدخلهم في الإسلام)) فإن المأمور والمنهي إذا انتفع واهتدى كان ذلك سبباً في تحصيله السعادة الدنيوية والأخروية، فينجو من عقاب الله ويحصل له الثواب.
    (3) الفوائد والمصالح العامة والتي لا تختص بطرف دون الآخر:
    أ- إقامة الملة والشريعة وحفظ العقيدة والدين لتكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ} [البقرة: 251] وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40] وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة: 193] وقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال: 39].
    هذا واعلم أن الإنسان لابد له من أمر ونهي ودعوة، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر.. بل لو أراد الإنسان أن لا يأمر ولا ينهى لا بخير ولا بشر، فإنه لابد له وأن يؤمر وينهى كما تقدم،.. فلمن لم يزحف بمبادئه زحف عليه بكل مبدأ وفكرة، والنفس تتلقى وتتشرب من المبادئ الأخرى والأخلاق، والطبع سراق، شعرت أم لم تشعر.
    ولذلك أمر الإسلام بمجالسة الصالحين وأهل البر والمعروف والخير، ونهى عن مجالسة غيرهم، لأن النفس والطبع سراقان لما يريانه، وصاحبهما لا يشعر في كثير من الأحيان.
    فإذا قام الناس بذلك المطلب العظيم تحققت حماية المجتمع المسلم من كل دخيل عليه، وإن ذلك يكون بمثابة قوة المناعة التي أودعها الله تعالى في البدن لتقاوم الأمراض والأسقام.. بالإضافة إلى أن الأمر بالمعروف يغذي الأمة أفراداً وجماعات بالمثل والقيم والأخلاق والعقائد السليمة.. فلا يحتاج أحد منهم إلى استيراد مبدأ أو خلق أجنبي على هذا الدين.
    فإذا أهملنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شعر الناس بالخواء الفكري والروحي، وبدؤوا يبحثون عما يسد جوعتهم، ويملأ نفوسهم وقلوبهم، واتجهوا إلى المبادئ الأرضية والأفكار المتعفنة، وهجمت عليهم الانحرافات بأنواعها وألوانها التي لا تحصى، ومن ثم يتلقفهم شياطين الجن والإنس على مختلف رتبهم وتخصصاتهم من مشككين ومشرعين.. إلخ.
    وبالتالي تظهر الفترة، وتستحكم الغربة، ويصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
    ومن المعلوم أن الإنسان لديه دافع داخلي يدفعه إلى حب الفضيلة والخير وفعلهما، وهو أمر مغروس في فطرته، فإذا وجد من يفعل المعروف فإن ذلك يحركه للقيام به، فإذا كان ذلك الفاعل له من نظرائه كان الدافع لفعله أكبر، فكيف إذا أمره بفعله آمر وحرضه عليه؟! لا ريب أن هذا يكون أدعى إلى القيام به، ثم لو ليم على ترك ذلك المعروف، أو نيل منه بكلام أو ضرب أو حبس، كان ذلك دافعاً خامساً لتحقيقه.
    وذلك لأن النفوس مجبولة على تشبه بعضها ببعض.. وقد شبهها شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- بأسراب القطا.. فإذا كثر الفاعلون للخير تداعى الناس لفعله، ولذا جاء في الحديث: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها..)) .
    وسبب ورود هذا الحديث، هو ذلك الرجل الذي جاء بتلك الصرة من المال فوضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتداعى الناس إلى التصدق.
    ب- رفع العقوبات العامة.. قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] وقال أيضاً في الجواب عن سبب مصابهم يوم أحد: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] فالكفر والمعاصي بأنواعها سبب للمصائب والمهالك، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ....} [هود: 116] وقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] (وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم، فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمم ناجية لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ذلك، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد فهي أمم مهددة بالدمار والهلاك كما هي سنة الله تعالى في خلقه، وبهذا تعلم أن دعاة الإصلاح المناهضون للطغيان والظلم والفساد هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين للخير والصلاح الواقفين للظلم والفساد، إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله واستحقاق النكال والضياع) .
    ج- استنزال الرحمة من الله تعالى، لأن الطاعة والمعروف سبب للنعمة قال الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 – 148]
    وقال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 41-42]. ومثل ذا كثير في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم...} [المائدة: 66].
    وقال عليه الصلاة والسلام: ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً)) .
    د- شد ظهر المؤمن وتقويته ورفع عزيمته، وإرغام أنف المنافق.. فإن المؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك، ويكون ذلك سبباً لغمه وضيق صدره وحسرته، لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق. كيف لو طولب هو بالتطبيق والعمل ومجانبة المنكر.. وألزم بما أظهر من الانتساب إلى الدين؟! لا شك أنه يتألم لذلك أشد الألم ويحزن بسببه أشد الحزن.
    قال الثوري –رحمه الله-: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق) .
    هـ- بقيام المسلمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحصل لهم الطموح والترفع عن الدنايا، كما يحصل لهم الشعور بأنهم ربانيون يصلحون الناس، وحينئذ يكونون قدوة حسنة بصلاح أنفسهم وحسن استقامتهم، مما يجعلهم يحاسبون أنفسهم على أصغر زلة، وهذه بحد ذاتها فائدة عظيمة جداً اقتضتها حكمة الله في تهيئة هذه الأمة لقيادة غيرها من الأمم .
    و- ابتلاء الخلق بعضهم ببعض.. لأن هذا العمل بجميع مراتبه وأنواعه جهاد، وما قتال الكفار بالسيف والسنان إلا نوع من أنواعه.
    قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4]. وبمثل هذه الابتلاءات يظهر إيمان المؤمن، وصبره على مكاره النفس في سبيل رضى ربه، ولأجل نشر دينه وشريعته.
    ز- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر على الأعداء، فإن الأمة لا تنتصر بعدد ولا عدة، وإنما تنتصر بهذا الدين، ولذا كانت مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرادة الدنيا من البعض سبب لوقوع الهزيمة في أحد، {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165] وقال: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30] وقال: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25] وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 – 41].
    ح- تحقيق وصف الخيرية في هذه الأمة قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران: 110] وقد تقدم إيراد كلام بعض أهل العلم في هذه الآية، كعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير وغيرهم.
    ط- التجافي عن صفات المنافقين، وظهور الفرقان بين صفاتهم وصفات المؤمنين.. ذلك أن من أخص صفات المؤمنين القيام بهذا العمل الطيب قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ...} [التوبة: 71].
    كما أن ترك القيام بهذا العمل يعد من صفات المنافقين البارزة، كما أخبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67]. وسيأتي في آخر هذا المبحث – عند ذكر الآثار المترتبة على تركه – كلام الإمام أحمد – رحمه الله – (يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع – إلى أن قال – المؤمن إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى.. والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه..).
    ي- استقامة الموازين، واتزان المفاهيم، فيجلو أمر المنكر أمام الناس، ويعلمون أنه منكر، كما يعلمون أن هذا الأمر المعين من المعروف، وبالتالي يقبلون على هذا ويعرضون عن ذاك، بخلاف ما إذا عطل جانب الأمر والنهي، فقد يتوهم كثير من الناس في كثير من المنكرات أنها من المعروف، كما يتوهم كثير منهم كذلك في كثير من أمور المعروف وخصاله أنها من المنكر، فيشنعون على فاعلها، ويقفون في طريقه، كما هو حاصل في هذه الأيام
    المبحث الثالث: الآثار المترتبة على تركه
    1- وقوع الهلاك: وذلك من جهتين:
    الأولى: أن المعاصي التي تظهر ولا تنكر سبب للعقوبات والمصائب .
    الثانية: أن السكوت ذاته يعد معصية يستحق صاحبه العقوبة ، كما أنه يدل على التهاون في دين الله عز وجل.
    هذا إذا كان الساكت عنه فرداً من أفراد المجتمع.. أما حين يسكت المجتمع بأكمله.. فإن العقوبة تعم في هذه الحال. قال الله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25]. وقال البخاري –رحمه الله-: باب ما جاء في قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً...} ثم ذكر بعض الأحاديث تحت هذا الباب. قال الحافظ: (وعند الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب) . ولهذا الأثر شاهد من حديث عدي بن عميرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة)) . ا.هـ .
    وقد ورد في هذا المعنى أحاديث وآثار متنوعة، منها حديث أبي بكر الصديق –رضي الله عنه عند بيانه لما أشكل على البعض من قوله تعالى: {عليكم أنفسكم} وفيه: وإنما سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب...)) .
    وثبت عنه أيضاً. ((وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب)) .
    قال ابن العربي في شرحه: (وهذا الفقه عظيم، وهو أن الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته، ومنها ما يمهل بها إلى الآخرة، والسكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات، وركوب الذل من الظلمة للخلق...) ا.هـ .
    وقد جاء من حديث جرير –رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب)) .
    وعن حذيفة –رضي الله عنه مرفوعاً: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) .
    ولما قالت أم المؤمنين زينب –رضي الله عنها-: ((أنهلك وفينا الصالحون؟)) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا كثر الخبث)) .
    وقال بلال بن سعد –رحمه الله-: (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغير ضرت العامة) .
    وقال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: (كان يقال: إن الله تعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا كلهم العقوبة) .
    هذا وإن العقوبات تتنوع وتقع بصور مختلفة، فمنها ما يكون بالتدمير بالزلازل أو الفيضانات أو نقص الأنفس من جراء الحروب أو الأوبئة أو نقص الثمرات، ومنها ما يكون بالريح، أو بإدالة الأعداء، أو بتولي أهل الشر وتسلطهم على رقاب المسلمين (ولا تكون القيادة لأهل الشر إلا إذا تخلى عنها أهل الخير ورضوا من إيمانهم بإيمان صوري، أو إيمان ناقص لا يلحقهم بهذه الخيرية، وإنما يعاقبهم بتسليط أهل الشر عليهم فيحكمونهم بالحكم الدنيوي المرخص لأعراضهم والمهدر لكرامتهم والمصادر لأموالهم..) .
    وبهذا تعلم أن العاصي لا يضر نفسه فحسب، وإنما يضر مجتمعه بأكمله، وقد شبه الرسول –صلى الله عليه وسلم- حاله مع حالهم بقوله: ((مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها. فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً)) .
    2- انتفاء وصف الخيرية عن هذه الأمة: وذلك أن الحكم المقرون بالوصف المناسب له يدل على أنه معلل بذلك الوصف، فيدور الحكم مع الوصف وجوداً وعدماً، كما قال في المراقي:

    دلالة الإيماء والتنبيه
    في الفن تقصد لدى ذويه

    أن يقرن الوصف بحكم إن يكن
    لغير علة يعبه من فطن

    3- أنه يجرئ العصاة والفساق على أهل الحق والخير: فينالون منهم ويتطاولون عليهم وهذا مشاهد ملموس في هذه الأيام – والله المستعان -.
    4- أنه سبب لظهور الجهل واندراس العلم : وذلك أنه إذا ظهر المنكر ولم يوجد من ينكره نشأ عليه الصغير وألفه وظن أنه من الحق، كما هي الحال في كثير من المنكرات اليوم.
    5- أن في هذا الأمر تزييناً للمعاصي عند الناس وفي نفوسهم ؛ لأن صاحب المنكر كالبعير الأجرب يختلط بالإبل فتجرب جميعاً بإذن الله..!!
    والناس كأسراب القطا قد جبل بعضهم على التشبه ببعض..!!
    فإذا أضفت إلى ذلك ما يوجد داخل النفس من الأمر بالسوء، وحب الشهوة، فإذا وجد المنكر عند الناس في الخارج قوي الباعث الذي في النفس!!
    فإذا كان الفاعل له في الخارج من نظراء هذا ازداد طلبه له، ويشتد الدافع له إذا وجد من يأمره به ويرغبه بارتكابه.. ويعظم الدافع إلى ارتكابه إذا أوذي بسبب تركه ونيل منه بسبب مجانبته..!!
    هذا وإن أهل الفساد لا يرضون إلا بموافقته لهم ويكرهون من تنزه عن ذلك. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- إلى أن المرأة الزانية تود أن النساء كلهن يزنين.. ونقله عن بعض السلف.
    علماً أنه لو وقع فيه معهم لانتقصوه وصغر في أعينهم.. واتخذوا من فعله هذا حجة عليه يطعنون بها متى شاؤوا!! .
    6- عدم إجابة الدعاء: جاء هذا في حديث عائشة –رضي الله عنها- مرفوعاً: ((مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم)) وقد تقدم حديث حذيفة قريباً وفيه: ((ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)) .
    7- سبب ظهور غربة الدين: واختفاء معالمه، وتفشي المنكرات والكفر والظلم.. وهذا هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) فكلما انتشر الفساد والظلم كلما ازدادت الغربة.. حتى يصبح المتمسك بدينه غريباً بينهم.. وحتى تصبح السنن والهدى من الأمور المرفوضة والمستهجنة عند هذا الجنس السيئ من الخلق.. قال الخلال: (أخبرني عمر بن صالح بطرسوس، قال: قال لي أبو عبد الله: يا أبا حفص: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع.
    فقلت: يا أبا عبد الله، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟! فقال: يا أبا حفص صيروا أمر الله فضولاً. وقال: المؤمن إذا رأى أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر لم يصبر حتى يأمر وينهى، يعني قالوا: هذا فضول. قال: والمنافق كل شيء يراه قال بيده على فمه. فقالوا: نعم الرجل، وليس بينه وبين الفضول عمل!) .
    وقال جامع بن شداد: كنت عند عبد الرحمن بن يزيد بفارس، فأتاه نعي الأسود بن يزيد، فأتيناه نعزيه. فقال: مات أخي الأسود. ثم قال: قال عبد الله: يذهب الصالحون أسلافاً ويبقى أصحاب الريب.
    قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وما أصحاب الريب؟!
    قال: (قوم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر) .
    8- إلف المسلم لهذه المنكرات: المتفشية لكثرة مشاهدته لها، والأمر كما قيل: (كثرة المساس تبلد الإحساس)، فما تعود للقلب تلك الشفافية والحساسية عند رؤية المنكر.
    وقد حكي عن بعضهم: أنه مر يوماً في السوق فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه، وتغير مزاجه لرؤيتها، فلما كان في اليوم الثاني مر فرآها فبال دماً صافياً، فلما كان في اليوم الثالث مر فرآها فبال بوله المعتاد لأنه قد ألف رؤيتها
    الفصل الثاني: الشروط والآداب الواجب توافرها في المحتسب، وذكر شروط إنكار المنكر
    المبحث الأول: شروط المحتسب المعتبرة وغير المعتبرة
    المطلب الأول: الشروط المعتبرة التي لابد من توافرها
    الأول: التكليف :
    وهذا الشرط يخرج غير المكلف كالمجنون والصبي.. والمكلف في اصطلاح الفقهاء: هو البالغ العاقل.
    وهذا الشرط يعد من شروط الوجوب، لكن لا يعني هذا الاشتراط للتكليف أن غير البالغ لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر بل يكون ذلك مندوباً في حقه.
    كما هو الحال في الصلاة والصوم والحج ونحوها مما هو معلوم .
    الثاني: الإسلام :
    الحسبة فيها نوع ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم؛ ثم إن الكافر لو قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يقبل منه مع انتفاء شرط الإسلام، بقطع النظر عن كونه مخاطباً بفروع الشريعة أم لا.
    ولأن الحسبة نصرة للدين ورفع له فلا يرجى أن يكون ناصره من هو جاحد لأصله . لكن لو قام الكافر بالإنكار للمنكر.. فهل يبقى على المسلم إنكار له؟!
    والجواب عن هذا أن يقال: إن زال المنكر فليس على المسلم إنكار بعده، لأنه لا وجود للمنكر.. لكن إن كان المسلم عالماً بالمنكر قبل إنكار الكافر له كان إنكاره متعيناً على المسلم فيلام على الترك.
    أما في حال بقاء المنكر بعد إنكار الكافر له فلا شك أن هذا لا يعفى المسلم من إنكاره أبداً.
    الثالث: الإخلاص وإحضار النية :
    لابد للمحتسب من أن يطلب بعمله وجه الله تعالى ورضاه.. دون أن يقصد بعمله وحسبته رياء ولا سمعة.. ولا منزلة في قلوب الخلق أو شيئا من دنياهم.
    وهذا الأمر –أعني الإخلاص- شرط في قبول سائر الأعمال الصالحة كما تقدم قال الله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
    ويتأكد الإخلاص في حال كون العمل بارزاً ظاهراً يراه الناس ويشاهدونه. وننبه في هذا الموضع إلى مدخل شيطاني يوسوس به إبليس في نفوس بعض الغيورين فيشككهم في إخلاصهم وبالتالي يقعدهم عن القيام بمثل هذا العمل العظيم.. أو يقعدهم عنه ابتداء تحاشياً للشهرة أو الانزلاق بالعجب أو الرياء والسمعة.. كما نسمع من بعض القاعدين عنه!! فلا ينبغي الالتفات إلى شيء من هذه الوساوس ولا الركون إلى تلك الهواجس..!! وسيأتي المزيد من بيان هذا عند الكلام على أحوال الناس بالنسبة إلى القيام به وعدمه.
    وقد يكون للرجل جهاد وعمل ضخم في مجالات الدعوة والإصلاح والتوجيه وليس له عند الله تعالى نصيب، لأنه إنما دعا إلى تجميع الناس حول نفسه.. فدعوته وجهاده لرفع تلك النفس.
    الرابع: المتابعة:
    إن الغرض من الاحتساب هو إيجاد المعروف وإزالة المنكر والمعروف هو ما جاء به محمد –صلى الله عليه وسلم-.. فعلى المحتسب أن يجعل هذا نصب عينيه، وعليه أن يعلم جيداً أن المتابعة شرط في قبول عمله لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110] والعمل الصالح هو العمل الصائب الموافق لهديه –صلوات الله وسلامه عليه-.
    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة المتقدم – عن مداخلة الدخن للخير الذي يكون بعد الشر لما ذكر الفتن.. وفسره بقوله ((قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي)).
    فيجب أن يكون منهجنا في التغيير للانحرافات الواقعة في الأمة.. وإيجاد الفضيلة والخير في المجتمع سائراً على المنهج الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31].
    ولقد بدأ –صلوات الله وسلامه عليه- كغيره من الأنبياء قبله –بإصلاح عقائد الناس أولاً وجمعهم على عقيدة التوحيد؛ كما ربى أصحابه –رضوان الله عليهم أجمعين- على وحدة مصدر التلقي.. وعلى أن كل قول غير قول الله وقوله رسوله –صلى الله عليه وسلم- فإنه هو قول قابل للخطأ والصواب فلا ينظر إليه باعتبار قائله (اعرف الحق تعرف أهله، فإنما الحق لا يعرف بالرجال).
    فإذا بدأ المحتسب أو (الداعي) بعكس ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لو بدأ بالجهاد أو إقامة الدولة مثلاً فإنه لا يفلح في دعوته، وهذا ولا شك من ذلك الدخن الذي أخبرنا عنه –صلى الله عليه وسلم- قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي على الصراط المستقيم، والصراط المستقيم أقرب الطرق. وهو الموصل إلى حصول القصد) ا.هـ.
    فكل دعوة إلى الإصلاح وكل أمر بمعروف أو نهي عن منكر لا ينتهجان ذلك المنهج السوي فلهما من المفارقة لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي هو منهج أهل السنة والجماعة بقدر المخالفة له.
    فإن منهج أهل السنة وطريقهم لا يقتصر على مسائل الصفات فقط، أو قضايا العلم والاعتقاد، بل ذلك يكون في تلك القضايا وغيرها من الأمور العملية وإنما كثر التدوين في مسائل الصفات خاصة ومسائل الاعتقاد عامة لكثرة المخالفين فيها أولاً ثم لخطورة الخلاف في تلك المسائل ثانياً.
    ونحن ندعو كل مسلم إلى التمسك بذلك المنهج فهو طريق الخلاص من هذا الواقع المرير.
    الخامس: العلم :
    تبين لك فيما سبق أنه لابد من بلوغ المطالبة بالتكليف إلى المكلف في العمل المعين.. وإلا فإنه لا يؤاخذ على تركه. وهذا ظاهر وهو الذي مر معك عند الكلام في شرطية العلم بالتكليف وأنه من شروط الوجوب، لكن العلم الذي نريد الحديث عنه هو العلم بما يأمر والعلم بما ينهى.
    فلابد للآمر أن يعلم أن ما يأمر به هو من المعروف، كما لابد للناهي أن يعلم أن ما نهى عنه يعد من المنكر.. فلابد إذاً أن يكون فقيهاً فيما يأمر به، فقيهاً فيما ينهى عنه. فحاله كحال الطبيب لا يمكنه العلاج حتى يفهم المرض والدواء معاً.
    قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] فدلت الآية على لزوم البصيرة وهي الدليل الواضح . قال ابن القيم –رحمه الله-: (وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها، فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه بل لابد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى ما يصل إليه السعي.
    ويكفي هذا في شرف العلم أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء) ا.هـ .
    وإن مما يدخل في هذا العلم المطلوب: علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها . قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: (من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح) .
    قال النووي –رحمه الله-: (إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء) ا.هـ. بل لا يكون عمل المحتسب أو الداعي صالحاً ما لم يكن بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-.. لأن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى.. وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام.
    فلابد إذاً من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، كما لابد من العلم بحال المأمور وحال المنهي .
    ولا تفهم مما سبق أن المطلوب منك عند قيامك بمهمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون عالماً فقيهاً!! بل يكفي في ذلك أن تعلم أن هذا من المنكر فتنكره أو من المعروف فتأمر به وتدعو الناس إليه.
    أما إذا اقتحم الجهال الدعوة، وترأسوا فيها، وأخذوا بالأمر والنهي بلا علم في ذلك كله، فإنهم يفسدون في هذه الحال أكثر مما يصلحون كما تقدم؛ فقد يأمر أحدهم بالمنكر وينهى عن المعروف جهلاً منه .. قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ...} [النحل: 116].
    وإن من أمارات الساعة ومن أسباب تعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رفع العلم كما قال –صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) .
    قال الإمام البخاري في صحيحه: (باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) ثم أورد حديث الزبير بن عدي قال: ((أتينا أنس ابن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج. فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه. حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم –صلى الله عليه وسلم-)) .
    وقد ذكر الحافظ في شرحه أقوالاً متعددة ثم قال: ثم وجدت عند عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالاتباع. فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة عن زيد بن وهب قال: (سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالاً يفيده، لكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون). ومن طريق أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود إلى قوله (شر منه).
    قال: فأصابتنا سنة خصب. فقال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء). ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال: (لا يأتي عليكم زمان إلا وهو أشر مما كان قبله، أما إني لا أعني أميراً خيراً من أمير ولا عاماً خيراً من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجد منهم خلفاً، ويجيء قوم يفتون برأيهم) وفي لفظ عنه من هذا الوجه: (ما ذاك بكثرة الأمطار وقلتها، ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يفتون في الأمور برأيهم فيثلمون الإسلام ويهدمونه) . والله المستعان.
    هذا وقد يحمل الإقدام على الإنكار بغير علم ذوي النفوذ على الوقوف في وجه الحسبة وتعطيلها قال عبد الصمد بن المهتدي: لما دخل المأمون بغداد، نادى بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأن الشيوخ بقوا يضربون ويحبسون، فنهاهم المأمون وقال: قد اجتمع الناس على إمام، فمر أبو نعيم، فرأى جندياً وقد أدخل يديه بين فخذي امرأة، فنهاه بعنف، فحمله إلى الوالي، فحمله الوالي إلى المأمون. قال: فأدخلت عليه بكرة وهو يسبح، فقال توضأ. فتوضأت ثلاثاً ثلاثاً على ما رواه عبد خير، عن علي، فصليت ركعتين، فقال: ما تقول في رجل مات عن أبوين؟ فقلت: للأم الثالث، وما بقى للأب، قال فإن خلف أبويه وأخاه؟ قلت: المسألة بحالها، وسقط الأخ، قال: فإن خلف أبوين وأخوين؟ قلت: للأم السدس وما بقى للأب. قال: في قول الناس كلهم؟ قلت: لا، إن جدك ابن عباس يا أمير المؤمنين ما حجب الأم عن الثلث إلا بثلاثة إخوة. فقال: يا هذا، من نهى مثلك عن الأمر بالمعروف؟! إنما نهينا أقواماً يجعلون المعروف منكراً. ثم خرجت .
    السادس القدرة :
    يقول الله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فمن كان بوسعه القيام بالأمر والنهي لزمه ذلك ومن لا فلا.
    هذا واعلم أن الناس يتفاوتون في القدرة تفاوتاً كبيراً.. فالسلطان أقدر من غيره على القيام بذلك.. كم أن المتطوع أقل اقتداراً في الغالب من المنصوب للاحتساب.. وهكذا.
    وكلما كان الإنسان أقدر كلما كان تعين ذلك عليه آكد .



  2. #302
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    فإذا كان يعجز عن القيام به بيده تعين اللسان، فإن عجز عنه تعين القلب، وقد بينا أن الإنكار بالقلب لا يسقط عنه بحال من الأحوال، كما بينا أن العجز يكون حسياً ويكون ملحقاً به كخوف لحوق الأذى .
    لكن لو تمكن المرء من الإنكار على الضعفاء دون الأقوياء فهل يلزمه الإنكار على من قدر عليهم؟!
    الجواب: نعم يلزمه ذلك. لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وهذا عمل بما يستطيع.. والله تعالى لا يكلفه ما لا يطيق {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286].
    وفي القاعدة الثامنة من قواعد ابن رجب –رحمه الله-: (من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا) ؟
    وهذا فيه تفصيل يهمنا منه لزوم بعض العبادات التي تقبل ذلك كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلو رأى منكرين أحدهما كبير والآخر صغير وقدر على إنكار الصغير منهما دون الكبير فإن إنكار الصغيرة لا يسقط عنه.
    قال الخلاب: (باب الرجل يرى المنكر الغليظ فلا يقدر أن ينهى عنه ويرى منكراً صغيراً يقدر أن ينهي عنه كيف العمل فيهما)؟ أخبرنا سليمان بن الأشعث قال: سئل أبو عبد الله عن رجل له جار يعمل بالمنكر لا يقوى على أن ينكر عليه، وضعيف يعمل بالمنكر أيضاً، ويقوى على هذا الضعيف أينكر عليه؟ قال: نعم ينكر على هذا الذي يقوى أن ينكر عليه .
    المطلب الثاني: ذكر الشروط غير المعتبرة
    1) العدالة:
    ذهب قوم إلى اشتراط العدالة مستدلين بما يأتي:
    1- قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] قالوا: فالفاسق ليس من المفلحين، فيجب أن يكون الآمر الناهي غير فاسق.
    2- قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] فأنكر عليهم أمرهم بالشيء وواقعهم يخالفه. ولذا قال بعض الأنبياء لأقوامهم: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ..} [هود: 88] وقال تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3-4].
    واستدلوا بقوله –صلى الله عليه وسلم-: ((يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه..)) إلخ قالوا: فهذا كان معاقب لكونه يأمر وينهى ولا يأتمر وينتهي بنفسه.
    الجواب عما استدلوا به: يمكن أن يجاب عن الآية الأولى بأن الفلاح المذكور حاصل حتى للفاسق فإنه لا يكون مخلداً في النار.
    أو يقال: بأن هذا ورد على سبيل التغليب، لأن الغالب أن لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من أصلح أحوال نفسه. فالعاقل يقدم ما يصلحها على ما يصلح غيره في الآجل.
    وأما الجواب عن النصوص التي تضمنت الإنكار والوعيد لمن يأمر ولا يمتثل فيقال: قد اجتمع في هذا الموضع على المكلف واجبان:
    الأول: الامتثال لأمر الله تعالى.
    الثاني: حث الناس على ذلك وأمرهم به وتحذيرهم ونهيهم عما خالفه.
    فإذا قصر في أحد هذين فإن ذلك لا يعني سقوط الآخر عنه.. فإن ترك الأمر والنهي بقي عليه الامتثال.. وإن ترك الامتثال بنفسه بقي عليه الأمر والنهي .
    هذا وقد وقع الذم في تلك النصوص والوعيد على ارتكاب ما نهى عنه الناهي عن المنكر، ولم يقع الذم على نفس النهي عن المنكر، بل هذا يحمد ولا يذم فهو طاعة لله عز وجل وقربة، ولا شك أن وقوع المنكر ممن ينهى عنه أقبح من وقوعه ممن لا يعلم أنه منكر أو علم ولم يدع إلى تركه. وهذا لا يعني إعفاءه من الأمر والنهي كما تقدم .
    وبهذا تعلم أن التوبيخ إنما وقع على نسيانهم لأنفسهم من المعروف الذي أمروا به، وليس التوبيخ على أمرهم ونهيهم .
    قال ابن العربي: (وليس من شرطه أن يكون عدلاً عند أهل السنة ، وقالت المبتدعة: لا يغير المنكر إلا عدل. وهذا ساقط، فإن العدالة محصورة في قليل من الخلق، والنهي عن المنكر عام في جميع الناس) ا.هـ.
    ومن المعلوم لديك أن شروط الطاعات لا تثبت إلا بالأدلة .
    قال الجصاص: لما ثبت وجوب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبينا أنه فرض على الكفاية.. وجب أن يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضاً غيرها.. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف، ولم ينته عن سائر المناكير، فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه ا.هـ.
    وإن مما يبرهن على صحة ما ذكرنا أن العصمة من المعاصي ليست من شروط الاحتساب بالإجماع، فلو اشترط ذلك لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأعصار، وسواء في ذلك عصر الصحابة أو من بعدهم، إذ لا أحد معصوم من المعاصي منهم.. بل حتى الأنبياء تقع منهم الصغائر على القول الراجح لكنهم لا يصرون عليها.
    ومن أجل ذا قال الإمام مالك وسعيد بن جبير –رحمهما الله-: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر).
    قال مالك: (ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟) .
    قال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: (لو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذاً لتواكل الناس الخير! وإذاً لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض) .
    وقال أبو الدرداء –رضي الله عنه-: (إني لآمركم بالأمر وما أفعله، ولكن لعل الله يأجرني فيه) .
    وقد نقل عن الحسن أنه قال لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك. فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر .
    ولو قال قائل إن ذلك مختص بالكبائر! قيل له: هل للزاني أو شارب الخمر مثلاً أن يغزو الكفار؟!
    فإن قالوا: لا. فقد خرقوا الإجماع.. فلا زال جنود المسلمين منذ عهد الصحابة مشتملة على بعض من يقترف الكبائر، وقصة أبي محجن رضي الله عنه يوم القادسية مشهورة معلومة، ولم يمنعهم أحد لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من بعده عن الغزو .
    وقال ابن كثير –رحمه الله- بعد أن قرر عدم اشتراط العدالة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك) ا.هـ ثم ذكر جملة من الآثار الدالة على ذلك .
    المبحث الثاني: الآداب الواجب توافرها في المحتسب(13787)
    المطلب الأول: الرفق
    لابد أن يكون المحتسب رفيقاً في احتسابه ما أمكنه ذلك، لأن هذه الصفة الطيبة –أعني الرفق- هي من الصفات المحببة إلى الخلق كما يحبها الخالق جل وعلا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)) كما قال صلى الله عليه وسلم ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) وعن جرير رضي الله عنه مرفوعاً: ((من يحرم الرفق يحرم الخير كله)) .
    ثم إن هذه الصفة محببة إلى الخلق، لأن الإنسان بطبعه وفطرته يحب الإحسان ويكره الإساءة.. وهو يقبل من طريق الرفق ما لا يقبل من طريق العنف والشدة، بل إن الإنسان –غالباً- إذا أمر بعنف فإنه تأخذه العزة بالإثم فيأنف ويصر على خطئه عناداً.. وهو بطبعه نفور من أهل الفظاظة والغلظة.. ومصداق ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ولذا أرشده إلى المدخل إلى نفوسهم وقلوبهم وهو ضد ذلك الوصف الرديء.. فقال {فَاعْفُ عَنْهُمْ} وهذا لا شك إذا كان المقام يحتمل ذلك.. ثم أعقب ذلك بقوله: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: 159] فاتصاف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر بالشفقة والرحمة والخوف على مصلحة المأمور أمر ضروري لقبول دعوته.
    وهكذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى ممتناً ببعثته: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] بل كان –صلوات الله وسلامه عليه- يشتد عليه إعراض قومه، ويتألم لذلك، ولهذا قال تعالى له مهوناً عليه: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].
    وقال: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6] {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً} [آل عمران: 176] {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41].
    {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام: 33] {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] {وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ} [لقمان: 23].
    هذا وإن الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه ينقاد لما يطلب منه من فعل أو ترك.. فإن رافق ذلك وصاحبه الاقتناع بما طلب منه كان ذلك أكمل وأفضل حتى يكون له وازع من نفسه وقلبه بضرورة فعل هذا الأمر أو تركه .
    قيل للإمام مالك رحمه الله: الرجل يعمل أعمالاً سيئة، يأمره الرجل بالمعروف وهو يظن أنه لا يطيعه، وهو ممن لا يخافه كالجار والأخ؟! فقال: ما بذلك بأس. ومن الناس من يرفق به فيطيع؛ قال الله عز وجل: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] ا.هـ وقال الثوري: (أؤمر بالمعروف في رفق، فإن قبل منك حمدت الله عز وجل وإلا أقبلت على نفسك) ا.هـ .
    وقال الإمام أحمد: (والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق فيجب عليك نهيه وإعلانه لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له) وقال أيضاً: كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون: مهلاً رحمكم الله .
    وقال أيضاً: ما أغضبت رجلاً فقبل منك كما سئل –رحمه الله- عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كيف ينبغي أن يأمر؟ قال: يأمر بالرفق والخضوع. ثم قال: إن أسمعوه ما يكره لا يغضب فيكون يريد ينتصر لنفسه .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر.. ولا يجوز أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطيش وتخرق.. وقد أنكر الثوري –رحمه الله- على من جانب هذا الوصف فلم يكتف بالدخول على أهل المنكر من أبوابهم –مع إمكان ذلك- وإنما عمد إلى تسلق الأسوار!! نقل ذلك الخلال في رسالته ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) من طريق أبي عبد الله بن الربيع الصوفي قال: دخلت على سفيان بالبصرة فقلت: يا أبا عبد الله! إني أكون مع هؤلاء المحتسبة فندخل على هؤلاء الخبيثين ونتسلق الحيطان. قال: أليس لهم أبواب؟ قلت: بلى ولكن ندخل عليهم لكيلا يفروا. فأنكر ذلك إنكاراً شديداً وعاب فعالنا فقال رجل: من أدخل ذا؟ قلت: إنما دخلت إلى الطبيب لأخبره بدائي.
    فانتفض سفيان وقال: إنما أهلكنا أنا نحن سقمى ونسمى أطباء! ثم قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: (رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر عالم بما ينهى) وإن من الرفق أيضاً ترك التشهير بالمنصوح إلا إن اقتضى الحال والمصلحة ذلك والله المستعان.
    المطلب الثاني: البدء بالنفس
    قدمنا لك فيما سبق أن العدالة ليست بشرط للقيام بهذا العمل.. وإلا حكمنا بإبطال مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد قيل:

    إذا لم يعظ الناس من هو مذنب
    فمن يعظ الناس بعد محمد

    وليس معنى عدم اشتراط العدالة من أجل القيام بتلك المهمة أن لا يلام من فرط فيها فارتكب محارم الله!!
    بل القبح للذنب في حقه أعظم وأشد من غيره. ولذا كانت عقوبته في الآخرة من نوع خاص في جهنم!.. إنه يدور في أمعائه كما يدور الحمار في الرحى.. كما جاء ذلك صريحاً في حديث أسامة بن زيد –رضي الله عنه- مرفوعاً: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان: ما شأنك؟ أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآيته)) .
    ومن لطيف المناسبة هنا أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وهو غير ممتثل لما يأمر به ولا تارك لما ينهى عنه قد وقع تشبيهه في هذا الحديث بالحمار! كما أن الله عز وجل شبه حال المعرضين عن الأمر والنهي والموعظة والتذكير بالحمار أيضاً فقال: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 50-51] فما أسوأ الحالين وما أحرى المسلم بالابتعاد عنهما!!
    قال السفاريني –رحمه الله-:

    ومن نهى عما له قد ارتكب
    فقد أتى مما به يقضي العجب

    فلو بدا بنفسه فذادها
    عن غيها لكان قد أفادها

    وقال أيضاً: (إنما يصح التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القلب، قوي الذراعين، فيؤلم ضربه فيردع، فأما من هو سقيم البدن لا قوة له، فماذا ينفع تأديبه بالضرب؟ والنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به) ا.هـ.
    وإنما كان التشنيع على هذا الصنف من الناس.. لكونهم عالمين بوجوب ما تركوا، أو بتحريم ما اقترفوا.. ولا أدل على علمهم بذلك من أمرهم به أو نهيهم عنه!!
    وقد سبق أن قدمنا لك بعض النصوص الدالة على ذم هؤلاء كقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
    وقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3] بعد أن وبخهم بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]؟
    فمن أجل ذلك كله قال شعيب –عليه السلام- لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88].
    فإذا امتثل الآمر ما يأمر به، وانتهى عما ينهى عنه، قبل الناس دعوته وانشرحت صدورهم بسماع كلامه.. أما إن اختل ذلك فإنه يكون داعياً لهم بلسانه، راداً ومنفراً لهم بحاله، وقد تنبه لهذا المعنى عمر بن عبد العزيز رحمه الله.. فحينما ولي الخلافة وأراد أن يرد المظالم إلى أصحابها.. بدأ بنفسه وأهل بيته أولاً.. فوقف على المنبر وقال: أما بعد: فإن هؤلاء أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها وما كان لهم أن يعطوناها، وإني قد رأيت ذلك ليس علي فيه دون الله محاسب، وإني قد بدأت بنفسي وأهل بيتي، اقرأ يا مزاحم. فجعل يقرأ كتاباً كتاباً ثم يأخذه عمر وبيده الجلم فيقطعه حتى نودي بالظهر .
    وإن من خبر الناس وعرف حالهم علم أنهم ينظرون لمن يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر نظرة فاحصة تختلف عن نظرهم لغيره من سائر الناس.. فيرقبون حاله ومقاله وجميع تصرفاته.. كما يحصون عليه الكبير والقطمير.. بل وتضخم أخطاؤه في كثير من الأوقات.
    وإذا عثروا على خطأ له فالويل له ولمن كان على شاكلته!!
    فتقصيره –عندهم- لا يقف عليه وحده بل يتعداه إلى كل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر! ثم يصير ذلك التقصير الذي شاهدوه عصاً في أيديهم يقومون بإشهارها متى ما يحلو لهم ذلك!!
    فالحاصل أن المحتسب يلزمه أن يكون في موضع الأسوة والقدوة الحسنة لا أن يدعو الناس باللسان ويصرفهم بالعمل والسلوك!
    وما أحسن ما قيل:

    لا تنه عن خلق وتأتي مثله
    عار عليك إذا فعلت عظيم

    وقول الآخر:

    وغير تقي يأمر الناس بالتقى
    طبيب يداوي الناس وهو سقيم

    وقال ثالث:

    فإنك إذا ما تأت ما أنت آمر
    به تُلف من إياه تأمر آتياً

    وقال منصور الفقيه:

    إن قوماً يأمرونا
    بالذي لا يفعلونا

    لمجانين وإن هم
    لم يكونوا يصرعونا

    وقال أبو العتاهية:

    وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى
    وريح الخطايا من ثيابك تسطع
    المطلب الثالث: المساواة بين القرابة وغيرهم
    كما يجب على المرء أن يقوم نفسه ويزكيها.. فإن عليه أيضاً أن يعنى عناية كبرى بقرابته ومن هم تحت ولايته.. وقد أرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لذلك فقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214].
    وهذا التوجه إنما هو نابع من إدراك المحتسب لحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنه عملية إنقاذ وتخليص للأفراد والمجتمعات من الهلاك والعذاب الأخروي.
    لكن حينما يخطئ المحتسب فهم هذه الحقيقة فإنه يجور في احتسابه ويحيد..!! فيهمل قرابته، ويدع الاحتساب عليهم، لوجود دافع من الدوافع في النفس لذلك كالشفقة العمياء أو العاطفة الهوجاء!!
    مع أنه لو تبصر لأبصر أن عين الشفقة إنما تكون في الاحتساب عليهم لتخليصهم من العقوبة المتوعدة.
    والحق أن هذا السلوك المعوج ينبئ عن كون نية المحتسب مشوبة..!! إذ الصدق مع الله تعالى ومع الناس يمنع من سلوك هذا المسلك الرديء المردى.
    قال الخلال: (باب ما ينبغي للرجل أن يفعل ويعدل في أمره ونهيه في القريب والبعيد) أخبرنا أبو عبد الله المروزي قال: (قلت لأبي عبد الله: فإن كان للرجل قرابة فيرى عندهم المنكر فيكره أن يغيره أو يقول لهم فيخرج إلى ما يغتم به من أهل بيته وهو لا يرى بداً، أو يرى المنكر في غيره فيكره أن يغير للذي في قرابته. قال: إن صحت نيتك لم تبال) .
    ومن آفات هذا المسلك اعتراض الناس على المحتسب بحال قرابته وأهل بيته كما يعترضون عليه بحاله إن كان غير ممتثل كما تقدم.. وكم يصرف مثل هذا المحتسب من القلوب عن قبول الحق والعمل به!.
    قال النووي – رحمه الله-: (ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومودته ومداهنته.. فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقاً، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليس عدواً لنا لهذا، وكانت الأنبياء –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها) ا.هـ.
    هذا وقد يعرض الرجل عن كثير من الاحتساب على قرابته وأهل بيته غفلة عن ذلك واشتغالاً بغيرهم.. وهذا هو الذائع الغالب!
    فتجد للمحتسب أو الداعي مع الناس مجاهدات وصبراً ومتابعة.. وبذلاً للمال والوقت والجهد في سبيل إرشادهم إلى الحق والخير، وأهله وقرابته أحوج ما يكونون إلى التوجيه والتعليم والنصح!!
    وهذه غفلة يقع فيها الكثير مع إخلاصهم ونصحهم..
    المطلب الرابع: البدء بالأهم وتقديمه على غيره
    وأهمية التدرج في ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة.
    قال بعضهم:

    إن اللبيب إذا بدا من جسمه
    مرضان مختلفان داوى الأخطر

    إن معرفة الأولويات ومنازل الأعمال وما يترتب عليها فعلاً أو تركاً أمر ضروري للمحتسب في أزمنة الفترات، وتفشي وظهور المنكرات، واضمحلال الديانة في قلوب الناس وواقعهم.. مثل هذا الزمان الذي نعيشه اليوم.
    ولقد دل على ثبوت هذا المبدأ وشرعيته الكتاب والسنة، وعليه جرى عمل سلف الأمة.
    وقد قص الله تعالى علينا قصص الأنبياء وأخبارهم مع أقوامهم فكان كل واحد منهم يخاطب قومه من حين بعثته إليهم بقوله: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
    ومن المعلوم أنهم معصومون في أمور البلاغ والتشريع.. فطرائقهم وهديهم ومنهجهم كل ذلك معصوم ومحفوظ من وقوع الخلل في حال تبيينه للناس وتبليغه لهم عن طريق هؤلاء الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
    ومن المعروف أنهم لم يكونوا يبدؤون دعوتهم لأقوامهم بالحديث عن تحريم السكر أو الزنا أو نحو ذلك من الأمور.. وإنما كانوا يقررون لهم التوحيد أولاً ويجعلونه منطلقاً لدعوتهم.. ثم ينتقلون معه إلى معالجة كبرى المشكلات التي يعايشها ذلك المجتمع الذي يبعثون فيه.. وبعد ذلك ينتقلون إلى ما دونها وهكذا.
    فهذا هو سبيلهم من أولهم إلى خاتمهم –صلى الله عليه وسلم- الذي أنزل عليه قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي...} [يوسف: 108] وأنزل عليه قول تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
    فقد كان هذا المنهج هو المنهج الذي سار عليه –صلوات الله وسلامه عليه- في دعوته.. روي البخاري بسنده عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: ((إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبداً. ولو نزل: لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبداً.
    لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده.)) .
    وأخرج ابن بطة بسند جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]: إن الله بعث نبيه –صلى الله عليه وسلم- بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} [المائدة: 3].
    قال ابن عباس: وكان المشركون والمسلمون يحجون جميعاً فلما نزلت (براءة) نفي المشركون عن البيت وحج المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك في تمام النعمة، وكمال الدين فأنزل الله تعالى {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} [المائدة: 3] إلى قوله {الإِسْلاَمَ دِينًا} .
    وبهذا التدرج كان يوصي صلى الله عليه وسلم رسله ويأمرهم إذا بعثهم للقيام بالدعوة.. كما أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله تعالى قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم)) الحديث.
    هذا وقد تمثل هذا المنهج في دعوة الأئمة من بعده صلى الله عليه وسلم.. نقل ابن الجوزي وغيره أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه وهو في قائلته فأيقظه وقال: ما يؤمنك أن تؤتى في منامك، وقد رفعت إليك مظالم لم تقض حق الله فيها. قال: يا بني إن نفسي مطيتي، إن لم أرفق بها لم تبلغني؛ إني لو أتعبت نفسي وأعواني لم يك ذلك إلا قليلاً حتى أسقط ويسقطوا؛ وإني لأحتسب في نومتي من الأجر مثل الذي أحتسب في يقظتي. إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله، ولكنه أنزله الآية والآيتين، حتى استكن الإيمان في قلوبهم. ثم قال: يا بني أما مما أنا فيه أمر هو أهم إلى من أهل بيتك، هم أهل العدة والعدد، وقبلهم ما قبلهم، فلئن جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره علي، ولكني انصف من الرجل والاثنين فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجع له، فإن يرد الله تمام هذا الأمر أتمه .
    فهذه حكمة بالغة لا يدركها حق إدراكها ويعمل بها كما يطلب إلا مجدد أو محتذ حذوه.
    إن الفساد الذي ينخر في المجتمعات الإسلامية اليوم إنما هو حصيلة قرون متطاولة.. وقد عمل على تقريره وإذاعته وتعميق جذوره جبابرة ودهاقنة للفساد متتابعون! تباعدت أقطارهم واتحدت أهدافهم.. ومثل ذا لا يمكن أن يغير بيوم ولا سنة! وإنما يحتاج إلى مدة كافية تماماً يروض فيها الناس على التوحيد والإيمان والصدق بعد أن سفت السوافي على هذه الأمور العظام، وكادت أن تأفل من عالم الواقع..
    إن حالاً كتلك لا يمكن أن تغير بجرة قلم كم يظن البعض.. فتجده يعمل جاهداً ومسخراً دعوته للوصول إلى ذلك القلم بأقرب طريق!
    إن هذا المسلك مغاير لمنهج الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- في دعوتهم.
    أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أنه قال: (لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد –صلى الله عليه وسلم- فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن؛ ثم لقد رأيت اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل) .
    وأخرج ابن بطة بسنده أيضاً عن جندب –رضي الله عنه- قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غلماناً حزاورة فنتعلم الإيمان قبل أن نتعلم القرآن فازددنا إيماناً) .
    فينبغي أن يبدأ بترسيخ الإيمان في النفوس أولاً.. وتعليم الناس توحيد الله عز وجل، وتصفية نفوسهم وواقعهم من الشرك ومظاهره.. ثم ينطلق الدعاة والمحتسبون إلى ما دونه من الأمور والتي تليه أهمية.. وهكذا.
    وهذا لا يعني أن تقتصر الدعوة في أول أمرها على التوحيد فحسب، بل يكون هو المنطلق والأساس والقاعدة التي يبني عليها الأمر بالتخلي عن سائر الانحرافات الأخرى.
    وهذا جلي فيما حكاه القرآن من دعوة الرسل، إذ كانوا يدعون إلى عبادة الله وحده مع كونهم ينكرون جرائم أخرى قد تفشت في أقوامهم كاللواط، ونقص المكيال والميزان، وقطع الطريق، وما إلى ذلك من الانحرافات المتنوعة.
    وإنما آفة هذه الحكمة التعجل الذي غالباً ما يكون ناتجاً عن ضعف العلم والبصيرة، ولذا جاء في الحديث: ((التأني من الله والعجلة من الشيطان)) .
    وكما في الحديث الآخر: ((التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة)) .
    ثم إن هذا المنهج كما يطبق في تغيير واقع المجتمعات فهو كذلك يطبق في دعوة الأفراد على حد سواء.
    ولشيخ الإسلام –رحمه الله- كلام نفيس جداً في هذا المقام حيث يقول: (.. فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجباً في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم، وهذا كما يقال لمن نام عن صلاة أو نسيها إنه صلاها في غير الوقت المطلق قضاء.
    وهذا باب التعارض –باب واسع جداً لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة، وخلافة النبوة، فإن هذه المسائل تكثر فيها وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة.
    فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن إما لجهله وإما لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه كما قيل: إن من المسائل مسائل جوابها السكوت، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر. فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً إلى بيانها.
    يبين حقيقة الحال هذه أن الله يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].
    والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين: بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلاً. وهذه أوقات الفترات، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بالمستطاع.
    كذلك المجدد لدينه، والمحيي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها؛ وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم، والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان كما عفى الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع.
    ومن هنا يتبين سقوط كثير من الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي، وإن كان واجباً في الأصل) ا.هـ.
    فإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين منكر كبير ومنكرات دونه أنكرنا أولاً المنكر الأكبر كأمور الاعتقاد، لأنها تقدم على ما دونها من الانحرافات.. لكن إن أمكن إنكار المنكر الأقل دون الأكبر لعذر صحيح يتعلق بالمحتسب، أو كانت المصلحة في ذلك عائدة على الحسبة نفسها أو المحتسب عليه.. فإنه ينكر الأدون في هذه الحالة؛ كالسلطان الذي يحكم القوانين ويلبس الذهب والحرير، أو يأكل الربا، أو يقامر، ولم يمكن للمحتسب أن ينكر عليه تحكيم القوانين خوفاً على نفسه أو خوفاً على دعوته فإنه إن أمكنه إنكار ما دون ذلك فعل؛ وكمن يسافر إلى بلد الكفار ويزني بالكافرات ويشرب الخمر هناك مع كونه قد حلق رأسه قزعاً.. فلم يمكن إنكار السفر وفعل الفاحشة عليه لمصلحة تتعلق بالمسلمين، كإظهاره الشراب بين أظهرهم، وزناه في ديارهم ونسائهم!! فينكر حينئذ الأدون إن أمكن، وهكذا.
    وقد يقدم المحتسب إنكار المنكر الأقل لمصلحة تقتضي ذلك في بعض الأحيان، كمن رأيته يريد الزنا أو شرب الخمر وأنت تعلم أن الرجل لا يزكي ماله، أو يتصف بمنكر هو أعظم من الزنا والشرب للمسكر دون الشرك بالله.. ففي هذه الحال يقدم إنكار الزنا أو الشرب لإبعاده عنه قبل الوقوع فيه فالدفع أسهل من الرفع.
    ثم إن الطاعة أو المعصية تتعاظم باعتبارات عدة:
    الأول: باعتبار الفاعل. فإذا كان الذي يقدم على المعصية ممن يقتدى به فإن هذا أخطر من إقدام الأغمار عليها. ولهذا كانت زلة العالم زلة العالم.
    الثاني: باعتبار الزمان. فليس الذي يشرب المسكر في نهار رمضان كالذي يشربه في غيره وهكذا.
    الثالث: باعتبار المكان. إذ المعصية أو الطاعة في الحرم أعظم منها خارجه.
    الرابع: باعتبار ما يترتب على العمل من الآثار . ولهذا كانت البدع أشد ضرراً وخطراً من المعاصي الأخرى الواردة من باب الشهوات. وكذلك المعصية المتعدية أعظم من القاصرة على الفاعل.
    ومن المعلوم أن المنكرات أقسام: فمنها ما يكون ظلماً للناس، كالوقوع في أعراضهم، أو سفك دمائهم، أو نهب أموالهم.. ومنها ما يكون ظلماً للنفس، كالشرب للخمر أو المخدر وغيرهما من المعاصي التي لا يتعدى ضررها على غير فاعلها. والقسم الثالث وهو ما كان يجمع بين هذا وذاك كمن يغتصب النساء، ويزني بهن، أو يأكل الربا.. وهذا النوع الأخير هو شر تلك الأنواع وأخطرها، ويليه الأول، وأقلها الثاني.. وأنت إذا تأملت النوع الأول منها رأيت أن فيه ظلماً للنفس في حقيقة الأمر وباطنه؛ فإذا رأينا من يجمع بين بعض هذه الأنواع فينبغي أن نقدم الإنكار للأعظم.
    هذا واعلم أن جنس فعل الواجبات أعظم وأعلى من جنس ترك المحرمات، فيكون الإنسان مستحقاً للذم والإثم حال كونه تاركاً واجباً من الواجبات أكثر من استحقاقه ذلك عندما يكون مرتكباً لشيء من المنهيات؛ ولهذا كانت عقوبة إبليس لما امتنع من الامتثال للأمر الطرد والإبعاد من رحمة الله.. بينما كانت عقوبة آدم –عليه السلام- لما كان ذنبه من قبل ارتكاب المحظورات الإخراج من الجنة وإهباطه إلى الأرض.
    وبهذا تعلم أنه إذا اجتمع في شخص ترك واجب وفعل محرم قدم الإنكار على ترك الواجب أولاً.. هذا من حيث الجملة، وإن كان الحكم قد يختلف في بعض الصور والحالات، كما إذا كان ترك الواجب العين أقل جرماً وإثماً من ارتكاب المحرم المعين، كمن ترك الصلاة مع الجماعة وفي نفس الوقت هو مقدم على القتل أو ضرب أحد والديه.. فيقدم في هذه الحال إنكار ارتكاب المحرم لشناعته وعظمه.
    ومما ينبغي معرفته أيضاً أن المنكرات الظاهرة تقدم في الإنكار على المنكرات المستترة، لأن العقوبة في الظاهر تعم.. ثم إنها تجرئ أصحاب المنكر وتغري غيرهم به.. بل تنقلهم إلى أعظم منه.. ثم إن هذا يكون سبباً لظهور المنكر المستتر!!
    وهذا مشاهد في واقعنا.. فنحن نشاهد أن السفور يبدأ من ظهور العري في التلفاز والمجلات.. من ناحية.. ومن العبث بالحجاب، تارة برفع العباءة أو تقصيرها، أو ظهور ما يسمى بالنقاب الذي تخرج المرأة فيه عينيها ثم يتدرج الأمر حتى يصل إلى إظهار الوجه، ثم الساقين والذراعين وهكذا.. فحينما نسكت عن إنكار الانحراف الأول فإنه يزداد ويتعاظم وينتشر.. ومن أمثلة ذلك أن التدخين كان أمراً مستهجناً يعزر فاعله بالجلد أربعين سوطاً في بعض الجهات.. وقد يهجر.. ثم تدرج الأمر حتى سكت الكثير عنه.. فصار أمراً مألوفاً ثم وصل الأمر بالبعض إلى شرب الخمر.. ثم جاءت المخدرات فأنست الناس ذلك كله!!
    المطلب الخامس: الصبر واحتمال الأذى
    إن النصوص القرآنية والحديثية الواردة في موضوع الصبر لا يكاد يحصيها العاد كثرة.. وقد أخبرنا القرآن عن لقمان بأنه أوصى ابنه بقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] فأتبع حثه له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر؛ وما ذلك إلا لأن القيام بهذه المهمة يتطلب الكثير من المجاهدة ولحوق الأذى بالمحتسب، وهذا لا يثبت معه إلا من كان متحلياً بالصبر.
    فعلى المحتسب أن يصبر على ما أصابه، فإن الأذى هو الأصل في حقه! فليروض نفسه على تحمل ذلك في سبيل تبليغ الحق إلى قلوب الناس وإزالة المنكر من واقعهم.
    فإذا لم يروض المحتسب نفسه على ذلك منذ البداية فإنه ينقطع في أول الطريق أو وسطه! (ولهذا نجد أن الله تعالى أمر رسله –صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – به، بل أمر به خاتمهم – صلى الله عليه وسلم – في أول سورة أرسل فيها فقال: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} – إلى قوله – {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1-7] فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالإنذار، واختتمها بالأمر بالصبر؛ ونفس الإنذار أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعلم أنه يجب بعده الصبر.) .
    هذا ومن المقررات الأساسية، والمبادئ الأولية، أن أول ما يجب على المكلف العلم ثم العمل، ثم الدعوة إليه، ثم الصبر وتحمل الأذى في سبيل ذلك؛ ثم إن هذا القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يقوم بمهمة من مهام الأنبياء والرسل – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه قال: ((قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى العبد على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة)) .
    فكم من الأذى لاقاه الأنبياء وأتباعهم فصبروا.. قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] وقال أيضاً {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34].
    وقال موجهاً لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127]
    وكلما ازداد البلاء ازداد المؤمن يقيناً وثباتاً، بخلاف المنافق، لأن المؤمن قد هيأ نفسه للابتلاء.. منذ أول خطوة في الطريق.. ثم إنه موقن بحسن العاقبة مع الصبر.. ولذا لما اجتمع الأحزاب حول المدينة، ونجم نفاق المنافقين، وظهرت خيانة اليهود من الداخل بنقض العهد.. لما كان ذلك قال المؤمنين: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب: 22] قالوا هذه المقالة مع كون ظواهر الأمور في غير صالحهم، سواء من جهة كثرة العدو.. أو شدة العيش والبرد في ذلك الوقت الذي وقعت فيه تلك الواقعة. وإنما كانوا يعنون بذلك أن الله تبارك وتعالى قد وعدهم بالابتلاء وأخبرهم بوقوعه بقوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران: 186] وبقوله أيضا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] وبقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].
    وغير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.. فكانت النتيجة رسوخ إيمان المؤمنين وثبات نفوسهم.. ولذا عقب تلك الآية بقوله في وصف حالهم: {زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].
    وهذا بخلاف حال المنافقين الذين قالوا لما رأوا ذلك: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] وقال بعضهم {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هي بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 13-14].
    وهذه سنة جارية لا تتبدل ولا تتغير على مر الزمان.. قال مالك –رحمه الله- (ضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر) وأنكر الإمام عماد الدين الجماعيلي المقدسي –رحمه الله- على فساق وكسر ما معهم، فضربوه حتى غشي عليه .
    وقد كان أهل العلم يوصون به غيرهم.. فكان من وصية عمير بن حبيب –رحمه الله- لبنيه: (إذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الأذى، وليوقن بالثواب من الله، فإنه من يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى) .
    وسئل الإمام أحمد –رحمه الله-: (مثل زماننا ترجو أن لا يلزم الرجل القيام بالأمر والنهي؟ قال: إذا خاف أن ينال منه. قلت –السائل- فالصلاة تراهم لا يحسنون؟. قال: مثل هذا تأمرهم. قلت –السائل- يشتم. قال: يتحمل؛ من يريد أن يأمر وينهى لا يريد أن ينتصر بعد ذلك) .
    قال الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله-: (ويكون مع أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصيرة وثبات على الحق، ويعلم أنه سيصيبه شيء، وإذا لم يعلم ذلك زاد البلاء فيما بعد، فإن المنكرات ما تفشت إلا بسبب أن أول شيء يوجد يتساهل به، فيكون الأول قد نسى وصار كعادة وصعب إزالته وتأتي الأمور الأخرى وهكذا..) .
    المطلب السابع: البدء بالأرفق
    اعلم أن هذا المطلب مغاير للرفق الذي مضى، وهو مغاير أيضاً لما تحدثنا عنه من البدء بالأهم وتقديمه على المهم في عملية الاحتساب.. وكذلك فإنه لا يراد به ما سنتحدث عنه إن شاء الله في درجات الإنكار ومراتبه.
    وإنما نعني بذلك أنه إذا كان أمام المحتسب لإزالة المنكر أو الأمر بالمعروف طريقان أحدهما يحتاج إلى جهود وبلاء وعناء.. والآخر يحتاج إلى شيء أقل من ذلك فعليه أن يسلك الطريق الآخر إن كان يتحقق المطلوب به ولم يكن مشتملاً على مخالفة للشرع؛ ويمكن توضيح هذا الأمر بذكر بعض الأمثلة التي تبينه فنقول: قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] فجعل الله عز وجل الإصلاح مقدماً في ذلك، ثم شرع استعمال القوة إن لم يثمر الإصلاح المطلوب؛ وبهذا يكون قد ترقى من الأرفق إلى الأغلظ في إزالة المنكر.
    ومثل ما سبق ما جاء في قوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34] فأتي بالأمر على مراحل، وأحوال الناس تختلف في هذا.. فمنهم من يكفيه النظرة الدالة على الإنكار عليه.. ومنهم من يكفيه الإشاحة بالوجه.. ومنهم من تكفيه الموعظة.. ومنهم من يحتاج إلى الزجر والتعنيف.. ومنهم من لا يمتنع عن المنكر إلا بالحبس أو الضرب.. فمن كان يكفيه الإشاحة فلا حاجة لتعنيفه ولا لضربه وهكذا.
    (ثم عليك أن تعلم أن الدعوة إلى الله تكون بطريقين: طريق لين، وطريق قسوة؛ أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريقة فبها ونعمت، وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعين طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده وتقام حدوده، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25].
    ففيه الإشارة إلى إعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) وهذا إنما يكون لأهله وهم الولاة كما هو معلوم وليس ذلك لآحاد الناس لما سنبين لك إن شاء الله تعالى.
    قال ابن القيم رحمه الله عند قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هي أَحْسَنُ} [النحل: 125]: (جعل الله سبحانه وتعالى مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن) ا.هـ .
    وهذا يتطلب من المحتسبين معرفة أحوال المحتسب عليهم ولا شك، وسيأتي بيان شيء من ذلك في الكلام على المحتسب عليه.
    هذا واعلم أن الدفع بالأرفق والبدء به ليس على إطلاقه، قال الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله-: إذا صار الصائل على الحريم بفعل الفاحشة، ووجده على الفراش على المرأة، فإنه لو تكلم عليه ربما يهرب.. فوجده على هذه الحال هل يتكلم عليه حتى يهرب أو يقتله؟
    المفهوم من السنة أن له قتله، ولا يصيح به ليهرب، بل يضربه في تلك الحالة، مع أن من فيه غيرة لا يمكن أن يصبر عن قتله.. وقصة سعد فيمن وجد رجلاً مع امرأته.. وفيه سرور النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وغيرته وبين أنه أغير من سعد وأن الله أغير من النبي صلى الله عليه وسلم.
    ولكن قد علم وتقرر ما في القصة التي وقعت للرجل لما وجد رجلاً بين فخذي امرأته فضربه فقتله فقال: (إنما ضربت بالسيف بين فخذيها ففتشوا فوجدوا فكان عذراً له؛ فيظهر من حديث هذا وحديث سعد أنها متى قامت البينة على هذه الحالة فليس بمضمون) ا.هـ .
    المطلب الثامن: مراعاة المصالح وتحقيقها ودرء المفاسد وتعطيلها(13837)
    تمهيد
    وهذا أصل عظيم جليل طلبه الشارع واعتبره قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] وقال: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] وقال: {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].
    وقال صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) .
    وقال صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر ولا ضرار)) .
    ومن مقررات الشريعة المتفق عليها: لزوم الدية في القتل على العامد والمخطئ، والعالم والجاهل، والصغير والكبير؛ وكذا غرام المتلفات على جميع هؤلاء تحقيقاً لمصالح العباد.
    وبعد تقدير المصالح وتمييزها والقدرة على الموازنة بينها وبين المفاسد من أدق المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكما كان المحتسب أقدر على معرفة ذلك وتمييزه كلما كان احتسابه أقوى وأثبت.
    ويكفي في بيان أهمية هذا الجانب أن مدار بعثة الرسل وإنزال الكتب والشرائع قائم عليه، فلم تبعث الرسل وتنزل الشرائع إلا لجلب المصالح وتحصيلها من عبادة الله وحده لا شريك له وظهور شرعه ودينه.. ودفع المفاسد وتعطيلها.
    وهذه هي حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    هذا وأعلم أن أصل المصلحة: المنفعة، وهي في اصطلاح الشرع (جلب المنفعة ودفع المفسدة في نظر الشارع) فهي إما أن تكون نفعاً يجلب أو ضرراً يدفع.
    والمراد بالمنافع: اللذات والأفراح وأسبابها، وضدها المفاسد التي هي الآلام والغموم وأسبابها. وقد يعبر عنهما بالخير والشر والنفع والضر.
    وطريق تحديد المصلحة إنما هو الشرع، لا القانون أو العرف أو العقل أو الذوق.. فكل ما أمر به الشرع فهو مصلحة، وكل ما نهى عنه فهو مفسدة.
    ثم اعلم أن المصالح الشرعية دائمة أبدية تشمل الدنيا والآخرة، كما أنها شاملة، فلا تختص بالبعض دون غيرهم، أو فئة دون الأخرى، بل تخدم الأمة عامة وتعود على الناس بحفظ ضروراتهم وحاجياتهم وما كان لهم به نفع.
    الفرع الأول: أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع وعدمه
    تنقسم المصلحة من هذه الحيثية إلى ثلاثة أقسام وهي:
    1- ما نص الشارع على اعتبارها فهي الشرعية، كمصلحة حفظ الدين والتي تقوم بنشر العلم الشرعي النافع والدعوة إلى الدين علماً وعملاً بالقلم واللسان والسيف والسنان؛ وكذلك تحريم كل ما يضعفه أو يضاده من العلوم الرديئة والأعمال المنحرفة.. والمظاهر المخالفة.. ولذا جاء تحريم التصوير ولعن المصورين، كما حرم رفع القبور وتجصيصها والبناء عليها والكتابة فكل مأمورات الشرع داخلة في هذا وكذا نواهيه.
    2- ما قام الشارع بإلغائه وعدم اعتباره، كمصلحة المرأة في مساواتها بالرجل في الميراث.. ويدخل في هذا القسم كل ما علم أن الشارع ألغى اعتباره، وإن رأى الإنسان بعقله القاصر أنه مصلحة؛ فهو ليس كذلك لمصادمته الشرع أو إخلاله بمقصد من مقاصده، أو لكونه معارضاً لمصلحة أعظم.
    3- ما سكت عنه الشارع فلم يرد طلبه ولا إلغاؤه.. وهذا النوع هو ما يسمى بالمصالح المرسلة.. ولها شروط وضوابط وتفاصيل ليس هذا موضعها.
    ثم إن المصلحة الشرعية الدنيوية (وهي الواقعة في الحياة الدنيا) من عبادات ومعاملات.. لابد وأن يشوبها شيء من المفسدة.. للحوق المشقة بها سواء كانت على وجه التقدم عليها أو المقارنة أو التأخر عنها.
    فالمصلحة في هذه الدار راجحة غالبة لا خالصة، بخلاف الأخروية –وهي نعيم أهل الجنة- فإنها خالصة لا كدر فيها.



  3. #303
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    وقد تعارض المصلحة الشرعية بمصلحة مرجوحة فتكون غالبة، وقد لا يعارضها غيرها فتكون راجحة كما سيأتي.
    ومقصود الشارع إنما هو المصلحة الراجحة – الواقعة في الدنيا – وكذلك الخالصة وهي الواقعة في الآخرة كما تقدم.
    ثم إن المصالح الشرعية تتفاوت قوة وضعفاً بحسب متعلقها... فهي لا تخلو من أن تكون ضرورية أو حاجية أو تحسينية..
    فالضرورية هي التي لابد من توفرها لقيام حياة الناس على الوجه المستقيم دون اضطراب كالمحافظة على الدين –وهو أعلاها- بتثبيت دعائمه ورفع ما يضاده.. وكالمحافظة على العقل وسلامته ومقاومة ما يفسده من مسكر ومخدر حسي أو معنوي؛ وكالمحافظة على الأعراض والأنساب ودفع كل ما يعترضها من فساد بأي صورة كان، سواء عن طريق مقارفة الفواحش، أو ما يجر إليها كالسفور والتبرج واللحن بالقول والخضوع فيه.. وكنشر الصور والمجلات الرديئة أو الأفلام والأغاني الماجنة؛ وكذا حفظ النفوس والمحافظة على سلامتها، ولذا حرم كل ما يضر البدن كالدخان والميتة وأنواع السموم ونحوها من الأمور الضارة.
    وكذا حفظ المال وبقائه بأن شرع أنواع العقود المباحة، وبين طرق أخذ المال وإنفاقه.. وحرم الربا وغيره من المحرمات المتعلقة بالمعاملات المالية.. كما تقدم.
    والمصالح الحاجية هي التي يفتقر إليها الناس لرفع الحرج والضيق عنهم؛ أما التحسينية فكالأخذ بمحاسن الأمور والجري على مكارم الأخلاق، ومن فروع ذلك خصال الفطرة كإعفاء اللحية وقص الشارب وكتحريم المستقذرات.
    فالأكل منه ما لابد منه في قيام حياة الإنسان فهو ضروري، ومنه ما لو ترك لوقع الإنسان في ضرر وحرج لكنه لا يلحق به العطب فهو حاجي، وما زاد فهو تحسيني.
    وعمل المحتسب يتعلق بجميع مراتب المصلحة وصورها الشرعية.
    هذا وقد تكون المصالح عامة لأغلب الناس أو جميعهم، وقد تكون خاصة وقاصرة على بعض الأفراد أو الجهات.
    وهي باعتبار التغير والثبات على قسمين:
    الأولى: ثابتة، كالواجبات الشرعية وتحريم المحرمات.
    الثانية: متغيرة حسب الأحوال زماناً ومكاناً، فتكون خاضعة للاجتهاد، كمقادير التعزيرات وكاتخاذ الدواوين.. ومن ذلك أيضاً اختلاف بعض أساليب الدعوة والتي لا يشوبها مخالفة للشرع كاتخاذ الكتب والمجلات والأشرطة والرحلات وغير ذلك من الأساليب المباحة بشرط عدم المخالفة.
    أما باعتبار الوقوع فهي قسمان:
    الأولى: قطعية الوقوع أو ما يقارب ذلك.
    الثانية: ظنية الوقوع وهي ما يكون وقوعها جائزاً أو كثيراً لكن لا يصل إلى درجة اليقين أو ما يقاربه.
    الفرع الثاني: ذكر ضوابط المصلحة الشرعية
    حتى تكون المصلحة معتبرة شرعاً لابد من توفر شرطين:
    الأول: ورود النص أو القياس بطلبها.
    الثاني: أن لا تكون معارضة بمصلحة أرجح منها أو مساوية، وطريق الترجيح بين المصالح لمعرفة مراتبها يكون كالآتي:
    1- تقدم الضرورية على الحاجية، كما تقدم الحاجية على التحسينية. ومن هنا يعلم أن قاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحة والمفسدة في رتبة واحدة وحد مستو، أما إن لم يوجد التساوي فيرجح الأعلى.
    2- تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة إن كانتا في رتبة واحدة. ومن هنا يعلم أن قاعدة المصلحة العامة على الخاصة ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن تكون المصلحتان في رتبة واحدة ومستوى متماثل.
    3- إن كانتا ضروريتين وعامتين قدمت المصلحة المتعلقة بالدين على المتعلقة بالنفس ثم العقل ثم النسل ثم المال؛ فالمصلحة المتعلقة بالدين تقدم على غيرها من الضروريات الأخرى. قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] وكذلك ما كان ذو مرتبة أعلى فإنه يقدم على ما دونه.
    توضيح ما سبق بالمثال:
    من مقررات أهل السنة وجوب الجهاد مع كل أمير برا كان أو فاجرا.
    فالجهاد به حفظ الدين وهو ضروري لارتفاع كلمة التوحيد.. أما كونه عادلاً فهو حاجي، فيقدم الجهاد مع البر والفاجر لكونه ضرورياً على ما كان مع العادل فقط لكون هذا الوصف في الإمام حاجي.
    ثم إن الجهاد به حفظ للدين بإزهاق النفس فقدمت مصلحة حفظ الأديان على حفظ النفوس والأبدان.
    ويمكن التمثيل على تقديم المصلحة العامة على الخاصة بالمنع من تلقي الركبان، فمصلحة أهل السوق عامة، وقدمت على مصلحة المتلقي الخاصة؛ وكالنهي عن الاغتسال بالماء الراكد مع كون المغتسل منتفعاً من ذلك لكنه يضر بالمصلحة العامة فيمنع منه لذلك.
    الفرع الثالث: بيان نظر الشارع للنتائج واعتباره لها
    تقدم عند الكلام على الحكم والفوائد من مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكر إقامة الدين وظهور الشريعة.. وزوال الباطل أو التقليل منه.. وهذا ولا شك مطلب شرعي أصيل.. لابد للمحتسب من أن يضعه نصب عينيه وهو يؤدي هذه المهمة.
    أما إن كان الناتج عن الأمر والنهي في بعض الحالات زيادة في المنكر الذي أردنا إزالته، أو زوال للمعروف الذي أردنا تكثيره.. فإن الآمر أو الناهي في هذه الحال يكون سبباً في ازدياد الباطل وتقليل المعروف علم أو لم يعلم .
    ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما شرع لتحقيق ما يحبه الله ورسوله، فإذا ترتب على ذلك ما هو أنكر منه وأبغض إلى الشارع فإنه لا يسوغ إنكاره؛ وإن ترك الإنكار لا يعني إقرار المنكر.
    ومثاله: الإنكار على الولاة المسلمين بالخروج عليهم.. فإن ما يترتب عليه من المفاسد أكبر مما يجلب من المصالح.. وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء الذين قال في وصفهم: ((تعرفون وتنكرون)) فقال: ((لا ما صلوا، لا ما صلوا)) .
    ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه.
    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات –كالأصنام- ولا يستطيع تغييرها.. ولما فتح مكة عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك –مع قدرته عليه- خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام. ولهذا لم يأذن بالإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من المفاسد.
    والحاصل أن ما يترتب على إنكار المنكر لا يخلو من أربع حالات:
    الأولى: أن يزول ويخلفه ضده من المعروف، كما إذا نصحت رجلاً يبيع الأغاني وينشرها، فقبل النصح، فاستبدل ذلك بالأشرطة الإسلامية.
    الثانية: أن يقل المنكر وإن لم يزل بجملته.. كما إذا نبهت بعض أصحاب المناهج المشتملة على بعض المخالفات أو البدع.. على مخالفته أو بدعته، فقبل منك، فترك بعض ما هو فيه من المنكر.. وكما إذا نصحت من يسب الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو الدين، فانتهى إلى سب آحاد المؤمنين.
    الثالثة: أن يزول ويخلفه ما هو مثله.. كما إذا نصحت رجلاً عن سماع الأغاني الغربية، فانتقل منها إلى الأغاني العربية!!
    وكما إذا بينت لنصراني فساد عقيدة التثليث، فعرف فسادها، فانتقل إلى اليهودية مثلاً..!
    وكما إذا حاورت بعض المنتسبين إلى الدعوة إلى الإسلام، وهو ذو منهج تشوبه بعض البدع أو المخالفات، فانتقل إلى منهج في الدعوة يماثله في حجم الانحراف وقدره.
    الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.. كما يقع في بعض الأحيان في صفوف النشء المقبل على الإسلام –أكثر من غيرهم- إذا واجه النقد المتبادل بين أوساط العاملين للإسلام.. فيتخلى عن الجميع وينحرف تماماً.
    وكما إذا نصحت بعض أصحاب المهن بأن يتزين في لباسه إذا أراد المجيء إلى المسجد فيدع الصلاة فيه.
    فالأولان مشروعان، والثالث موضع اجتهاد ونظر، والرابع محرم .
    قال ابن القيم –رحمه الله-: فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة، إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الشارع كسباق الخيل.. وكما إذا كان الرجل مشتغلاً بكتب المجون فإذا نقلته عنها إلى كتب أهل البدع والضلال والسحر فدعه.
    وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.. وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم.
    ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قطع الأيدي في الغزو.. مع كون القطع حد من حدود الله تعالى.. فنهى عنه خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين.
    وقد نص أحمد وإسحاق والأوزاعي وغيرهم على أن الحدود لا تقام في أرض العدو . ا.هـ.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (.. فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإن كان قد ترك واجب وفعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم) ا.هـ.
    الفرع الرابع: العمل عند تعارض المصالح والمفاسد
    يجب أن يكون الاحتساب بفقه ونظر فيما يصلح من هذا العمل وما لا يصلح فإذا تعارضت المصالح والمفاسد فيما يأمر به أو ينهى عنه نظر: فإن كانت المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة، فإنه لا يعتبر المفسدة حينئذ، وعليه الاحتساب في هذه الحال.
    وهذا يكون مع مراعاة ما سبق من شرطية كون المتعارضين في مرتبة واحدة ونوعية واحدة كما تقدم بيانه، وإلا فإنه يرجح ما كان متعلقاً بالضروري على غيره، كما يرجح الحاجي على التحسيني.
    وهذا كمن يريد شرب الخمر ليزيل به عطشاً يشق عليه تحمله لكنه لا يؤدي به إلى الهلاك، فإنه يحرم عليه، لتعلق المفسدة بالضروري وهو حفظ العقل، وتعلق المصلحة بالحاجي وهو إزالة ذلك العطش.. بخلاف ما إذا كان العطش يؤدي به إلى الهلاك.. فإنه يشرب في هذه الحالة لتعلق ذلك بالضروري وهو حفظ النفس، ولتعلق شرب الخمر بالعقل وهو ضروري لكنه دونه.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- ما ملخصه: (الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذاك كانت مفسدته أكثر، فإذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يؤمروا بمعروف، ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر أمر به وإن استلزم ما دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، وإن كان المنكر أغلب نهى عنه، وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف) اهـ .
    أما في حال كون المفسدة أرجح من المصلحة: كتعطيل الدعوة ونحو ذلك فحينئذ تفوت المصلحة وتدفع المفسدة.. بالشرط المتقدم.
    ومن صور هذه القاعدة: ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي وعدم قتله لئلا تأخذ الحمية قومه.. ولئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه . ومن الأمثلة على ذلك إعراض المسلمات عن الدخول في مجالات الطب في جو المستشفيات المختلطة.. مع وجود مصلحة في ذلك إلا أن المفسدة فيه أكبر.. وكثيراً ما نسمع إيراد هذا الاعتراض على من رأى ما سبق (أترضى أن يطبب محارمك الرجال)؟.
    يورد هذا الاعتراض وكأنه هو الخيار الوحيد!! فلماذا لا يقال بالعمل على إيجاد مستشفيات إسلامية!! ولماذا لا يطالب الناس بذلك!!؟
    ولو فرض عدم الإمكان لكان هناك أمر ثالث. وهو أن يطبب نساءنا هؤلاء اللاتي ضحين بحشمتهن وقرارهن في البيوت!! لا أن نزج بفتياتنا حيث يذهب ماء وجوههن لكثرة المخالطة مع الرجال والتحدث معهم..!
    ومن أمثلة هذا النوع القول بمنع ابتعاث الصغار وسائر من لا ينطبق عليه الشروط المعروفة للسفر إلى بلاد الكفار.. من اعتزاز بالدين ونحوه.. على ما في ذلك من المصلحة وهي تحصيل بعض العلم.
    ومن أمثلة ذلك منع التلقي من أصحاب البدع –المخالفين لعقيدة أهل السنة والجماعة- في حال وجود غيرهم ممن يؤخذ عنه هذا العلم ولا يقع فيما وقعوا فيه.
    ومن الأمثلة أيضاً على ذلك منع دخول البرلمانات ونحوها في البلاد التي تحكم القوانين.. مع أنه قد يوجد شيء من مصلحة في ذلك ولكن المفسدة أعظم من وجوه كثيرة لا مجال لذكرها هنا.
    وقد حرمت الخمر لرجحان مفاسدها على منافعها..
    أما إذا تساوت مقادير المصالح والمفاسد: في حال التعارض فإنه ينظر في مراتبهما من ضروري وحاجي –كما تقدم- فإن اتحدت عمل بقاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وإلا فيقدم الأقوى منهما.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما، فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المنكر والمعروف متلازمين، وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
    وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً، وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه.
    وإذا اشتبه الأمر استثبت المؤمن حتى يتبين له الحق، فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية..) ا.هـ .
    الفرع الخامس: العمل عند تزاحم المصالح
    إذا تزاحمت المصالح بحيث لا يمكن القيام إلا ببعضها وتفويت ما سواها.. ففي هذه الحالة ينظر فيما كانت مصلحته أرجح فيقدم.. سواء كان التفاضل والرجحان في المرتبة، كتقديم الضروري على الحاجي والحاجي على التحسيني.. وكتقديم ما يتعلق بحفظ الدين من الضروري على غيره، وتقديم ما يتعلق بالنفس من الضروري على ما تعلق بحفظ ما دونه؛ أو كان التفاضل واقعاً في صورة الحكم كالواجب مع المستحب.
    وهذه المسألة دقيقة جداً وكبيرة الأهمية، ذلك لسعة هذه الشريعة وشمولها، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- شبهها بالشرائع المتنوعة.. فالواجبات أكبر من الأوقات وأوسع.. فينبغي تقديم ما هو أهم وآكد في مثل هذه الحال وأبلغ في التأثير والنفع في مجالات الدعوة المختلفة.
    ومن صور هذه المسألة.. ازدحام بعض مجالات الدعوة عند بعض المشتغلين بها، كمن لم يتمكن إلا من القيام بشيء محدود من ذلك.. فأيهما يقدم.. العناية بتربية النشء على الإسلام أو خوض المجالات العامة؟ ويجاب عن هذا بأن الجمع بين الأمرين هو الأصل وهو المطلوب، لكن من لم يتمكن إلا من واحد منهما فإنه ينظر في حاله وحال زمانه من حيث حال الدعوة وسيرها في هذين السبيلين وحاجتها إلى الأعوان في كل منهما.. فيرجح على هذا الأساس.
    ومن صور هذه المسألة تزاحم الأوقات بين الاشتغال بطلب العلم أو بنوافل العبادات وبين القيام بالدعوة.. فالمطلوب التوفيق بين هذه الأمور ومصلحة الدعوة من أهم المصالح فلا ينبغي إهمالها بل يوليها بعض اهتمامه ووقته حسب قدرته.
    المبحث الثالث: الآداب المستحب توافرها في المحتسب
    المطلب الأول: العمل على إيجاد البديل عن المنكر
    إن الباطل يشغل حيزاً كبيراً في نفوس أصحابه.. لاسيما إذا صاحب ذلك إلف المنكر واعتياده.. فإنه من الصعوبة بمكان على صاحبه أن يفارقه ويتخلص منه.. بل إنه يشعر في بعض الأحيان أنه قد أصبح يمثل جزءاً من كيانه لا يتصور الاستغناء عنه بحال من الأحوال.. وهذا مشاهد وملموس في واقع الكثير من الناس.
    إذا عرفت هذا تبين لك جلياً مدى حاجة الناس إلى إيجاد بدائل تحل محل تلك المنكرات.
    وأنت إذا تأملت سير التشريع الرباني رأيت أنه لم يهمل هذا الجانب بل اهتم به. فحينما حرم الله عز وجل أعياد الجاهلية.. أبدل المسلمين عنها بعيدين عظيمين كريمين. كما أباح لهم أضرباً من اللهو المباح فيهما.
    ومن هذا الباب في القرآن قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا...} [البقرة: 104] ومما يدخل تحته أيضاً قول الله تبارك وتعالى مخبراً عن قول لوط –عليه الصلاة والسلام- لقومه: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 165-166].
    ومن السنة ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة –رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً)) .
    وقد أدرك أهل العلم أهمية هذا الجانب فظهر في بعض مقالاتهم وفتاواهم.. ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه أن رجلاً سأل ابن عباس فقال: يا ابن عباس، إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: (من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً، فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه. فقال: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح) .
    وقال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز –رحمهما الله- لأبيه: (يا أبت ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فوالله ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك.
    قال: يا بني! إني إنما أروض الناس رياضة الصعب، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعاً من طمع الدنيا، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه) .
    وقال –رحمه الله- أيضاً: (ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً) .
    وقال ابن كثير –رحمه الله- في حوادث سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: (فيها خرب الملك الأشرف بن العادل خان الزنجاري الذي كان بالعقبية فيه خواطئ وخمور ومنكرات متعددة، فهدمه وأمر بعمارة جامع مكانه سمي جامع التوبة) ا.هـ.
    ونقل الحافظ في الفتح عن المبرد أن موضع ذي الخلصة (وهو صنم دوس في الجاهلية) صار مسجداً جامعاً لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم ا.هـ.
    وفي إنباء العمر (في حوادث سنة ثمانين وسبعمائة) قال: الحافظ –رحمه الله-: (وفيها توجه شخص من أهل الصلاح يقال له: عبد الله الزيلعي إلى الجيزة، فبات بقرب أبو النمرس، فسمع حس الناقوس، فسأل عنه، فقيل له: إن بها كنيسة يعمل فيها ذلك كل ليلة؛ حتى ليلة الجمعة، وفي يومها والخطيب يخطب على المنبر فسعى عند جمال الدين المحتسب في هدمها فقام في ذلك قياماً تاماً إلى أن هدمها وصيرها مسجداً) ا.هـ.
    ومما يحسن ذكره من الوقائع في هذا الجانب أن داراً تقع على النيل في مصر يجري فيها ألوان المنكرات حتى عرفت بدار الفاسقين، فاشتراها الأمير عز الدين ايدمر الخطيري وهدمها وبني مكانها جامعاً في سنة 737هـ وسماه جامع التوبة .
    وقد نقلت لك فيما سبق شيئاً من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله المتعلق بهذه المسألة فلأهميته أورد بعضه هنا فيقول: (.. إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه..
    وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به.. بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغنى عنه كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، وينهى عن عبادة ما سواه، إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح وإلا لم يترك العمل السيء أو الناقص..) ا.هـ.
    المطلب الثاني: تقليل العلائق مع الناس إن كانت المصلحة في ذلك
    وإنما طلب ذلك لئلا يكثر خوفه من انقطاعها.. ولكي يقطع طمعه من الخلائق البتة فلا يقع في المداهنة والمصانعة.. ولكن هذا الأمر ليس على إطلاقه.. فإن الدخول مع الناس ومخالطتهم والتعرف على أحوالهم سبب قوي جداً في إصلاحهم والاحتساب عليهم.. وإنما يطلب ذلك من بعض القائمين بالاحتساب –وقد نصبوا لذلك- إن كانت الروابط والعلائق مع الناس تؤدي بهم إلى السكوت عن هؤلاء المعارف مداهنة وما شاكلها.. كخوفهم من مقاطعتهم لهم.
    نقل عن بعض الشيوخ أنه كان له سنور، وكان يأخذ له كل يوم من قصاب شيئاً لغذائه، فرأى على القصاب منكراً، فدخل الدار وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب فقال القصاب: لا أعطيك بعد اليوم للسنور شيئاً. فقال الشيخ: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك .
    المطلب الثالث: الإسرار بالنصح
    إن من طبيعة الإنسان كراهيته أن يعاب وأن يخطئ أمام الآخرين، فإذا احتسبت عليه أمامهم فقد يكون ذلك سبباً لتمسكه بما هو عليه من الخطأ والمخالفة.
    ويتأكد هذا الأدب خاصة إذا كان المحتسب عليه أكبر سناً من المحتسب، أو أعلى مكانة في العلم أو الجاه ونحو ذلك من الأمور.. كحال الطالب مع شيخه والابن مع أبيه.
    وقد أحسن الإمام الشافعي رحمه الله حينما قال:
    المطلب الرابع: قصد النصح لجميع الأمة
    ويستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر قصد نصح جميع الأمة
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، قصده نصح جميع الخلق، بأن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه.
    قال الله تعالى حكاية عن عبده ورسوله نوح: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62]، وعن نبيه هود – عليهما السلام -: {... وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] أي عرفت فيما بينكم بالنصح، فما حقي أن أتهم وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم .
    وفي الصحيحين ، ومسند الإمام أحمد ، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث زياد بن علاقة. ((قال: سمعت جرير بن عبد الله رضي الله عنه يقول يوم مات المغيرة بن شعبة. قام فحمد الله وأثنى عليه. وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن. ثم قال: استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد فإني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي: والنصح لكل مسلم, فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لكم لناصح، ثم استغفر ونزل)) . هذه رواية البخاري.
    وأخرج مسلم المسند منه.
    وفي رواية لهما. ((قال جرير: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)) .
    وفي أخرى لهما: قال: ((بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: فيما استطعت والنصح لكل مسلم)) .
    وفي صحيح مسلم، ومسند أحمد، وسنن أبي داود، والنسائي من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة)) قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . هذه رواية مسلم وأحمد.
    وفي رواية أبي داود: إن الدين النصيحة: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله –عز وجل- ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم)) . وعند النسائي بلفظ ((إنما الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم)) .
    المطلب السادس: ستر العورات والعيوب
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر العورات والعيوب
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر ستر عورات المسلمين لأن سرت العيوب والتجاهل والتغافل عنها سمة أهل الدين. ويكفي تنبيهاً على كمال الرتبة في ستر القبيح وإظهار الجميل قول الله تعالى: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ...} [البقرة: 263].
    وفي الصحيحين، وجامع الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه, ولا يسلمه, ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة)) .
    قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.
    وفي (صحيح مسلم) و(مسند أحمد)، و(سنن أبي داود) و(الترمذي) و(النسائي)، و(ابن ماجه)، و(صحيحي الحاكم وابن حبان) من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) مختصر.
    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) .
    وفي رواية: ((لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره يوم القيامة)) .
    وروى الإمام أحمد، والنسائي نحوه من حديث عروة، عن عائشة مرفوعاً – في حديث طويل – ((لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله في الآخرة)) .
    ومعنى ستره الله في الآخرة: أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف – كما تقدم قريباً – من حديث عمر.
    وفي (مسند أحمد) من حديث مسلمة بن مخلد الأنصاري مرفوعاً: ((من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله – عز وجل – في الدنيا الآخرة, ومن نجى مكروباً فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)) .
    ورواه الطبراني ولفظه: ((من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة)) .
    وفي (مسند الإمام أحمد) وغيره من حديث عن مسيب عن عمه. قال: بلغ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة)) . فرحل إليه وهو بمصر فسأله عن الحديث. قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة. فقال: وأنا قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وفي (سنن ابن ماجه) وغيرها من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه الله بها في بيته)) .
    قال أبو زكريا النووي – رحمه الله – في شرح صحيح مسلم – عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) ، وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالأذى والفساد. وأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة, لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء, والفساد, وانتهاك المحرمات, وجسارة غيره على مثل فعله. وهذا كله في ستر معصية وقعت وانتقضت.
    أما مسألة معصية يراه عليها وهو متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه, ومنعه منها على من قدر على ذلك, ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة – كما تقدم. ثم قال: وأما الرواة, والشهود, والأمناء على الصدقات, والأوقاف, والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة, ولا يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم. وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. وهذا مجمع عليه.
    المطلب السابع: الاغتمام بمعصية المسلم والتأسف لتعرضه لغضب الله
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون مغتماً بمعصية أخيه المسلم وأن يكون آسفاً لتعرضه لعقاب الله
    ومما يستحب (للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر) أن يكون مغتماً مما ظهر من معصية أخيه المسلم وتعرضه لعقاب الله –تعالى- حتى يشغله الهم عن فرحه بأجر الأمر والنهي بحيث إنه لو خير بين أجره في أمره ونهيه وبين أن أخاه لم يصب ذلك الذنب لاختار أن لا يكون أصاب الذنب، وهو النصح لله في خلقه، وهو أعظم من أجر الآمر في أمره مع إثمه. فإذا اغتم بمعصيته وشره وأحب أن يكون الله –تعالى – عصمه – جمع الله أجره على عظته إياه، وأجره على اغتمامه بمعصيته وأجره على محبته عصمته.
    المطلب الثامن: الغيرة على المسلمين
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر بل لكل مسلم أن يكون غيوراً على إخوانه المسلمين. قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].
    وفي (الصحيحين)، و(مسند أحمد) و(جامع الترمذي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عز وجل يغار وإن المؤمن يغار، وإن من غيرة الله تعالى أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)) .
    ولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن يغار والله أشد غيراً)) .
    المطلب التاسع: تواضع الآمر الناهي في أمره ونهيه
    ومما يستحب للآمر بالمعروف الناهي عن المنكر أن يكون متواضعاً في أمره ونهيه من غير افتخار ولا تعاظم، بل من حقوق المسلمين التواضع لهم.
    وسمي التواضع متواضعاً لأنه وضع شيئا من قدره الذي يستحقه – وذلك ملح العبادة – وغاية شرف الزاهدين، وسيما الناسكين.
    قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
    (أي متواضعين لهم بذل لين وانقياد، لا بذل هوان فيعاشروا المؤمنين برحمة وعطف وشفقة وإخبات وتواضع).
    وقوله: {أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ}.
    هو من عزة القوة والمنعة والغلبة.
    وقال (عطاء) (للمؤمنين كالوالد لولده. وعلى الكافرين كالسبع على فريسته) كما في الآية الأخرى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.
    فالنفس إذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر وإما إلى ذل والعزة المحمودة بينهما، والله أعلم.
    وقال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] يعني سكينة ووقاراً متواضعين، غير أشرين ولا مرحين ولا متكبرين لأن الهون –بالفتح- الرفق واللين، وبالضم –الهوان.
    فالأول صفة أهل الإيمان، والثاني صفة أهل الكفران وجزاؤهم من الله النيران .
    قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
    وفي (صحيح مسلم)، و(سنن أبي داود)، و(ابن ماجه) من حديث عياض بن حمار المجاشعي – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفتخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)) .
    قال أهل اللغة: (البغي التعدي والاستطالة).
    قال أبو العباس بن تيمية – في (اقتضاء الصراط المستقيم) – جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين نوعي الاستطالة. لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر. وإن استطال بغير حق فهو الباغي فلا يحل لا هذا ولا هذا .
    قال أبو حامد: فإن قلت كيف التواضع للفاسق والمبتدع وقد أمرت ببغضهما، والجمع بينهما متناقض ؟
    فاعلم أن هذا أمر مشتبه يلتبس على أكثر الخلق، إذ يمتزج غضبك لله في إنكار البدعة والفسق بكبر النفس، والإذلال بالعلم والورع، فكم من عابد جاهل, وعالم مغرور إذا رأى فاسقاً جلس إلى جانبه أزعجه ذلك.
    وتنزه منه لكبر باطن في نفسه وهو ظان أنه غاضب لله، وذلك لأن الكبر على المطيع ظاهر كونه شراً والحذر منه ممكن، والكبر على الفاسق والمبتدع يشبه الغضب لله وهو خير، فإن الغضبان – أيضاً – يتكبر على من غضب عليه والمتكبر يغضب، وأحدهما يثمر الآخر ويوجبه, وهما ممتزجان ملتبسان لا يميز بينهما إلا الموفقون.
    والذي يخلصك من هنا أن يكون الحاضر على قلبك عند مشاهدة المبتدع, أو الفاسق, أو عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر ثلاثة أمور:
    أحدهما: التفاتك إلى ما سبق من ذنوبك وخطاياك، ليصغر عند ذلك قدرك في عينك.
    والثاني: أن تكون ملاحظتك لما أنت متميز به من العلم, واعتقاد الحق, والعمل الصالح من حيث إنها نعمة من الله – تعالى – وله المنة لا لك فترى ذلك منه حتى لا تعجب نفسك، وإذا لم تعجب لم تتكبر.
    والثالث: ملاحظة إيهام عاقبتك وعاقبته أنه ربما يختم لك بالسوء ويختم له بالحسنى حتى يشغلك الخوف عن التكبر عليه.
    المبحث الرابع: شروط إنكار المنكر
    المطلب الأول: كونه منكراً
    المنكر كل أمر نهى عنه الشارع الحكيم سواء أكان هذا الأمر محرما أم مكروهاً وكل ما كان محذوراً في الشرع.
    وكلمة منكر أعم من قولنا معصية فتطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة. وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله، إما لصغره، أو جنونه ولهذا إذا زنا المجنون أو هم بفعل الزنا أو شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكراً يستحق الإنكار وإن لم يعتبر معصية في حقهما لفوات شرط التكليف وهو البلوغ في الأول والعقل في الثاني بل إن الفعل الذي يخالف ما تعارف عليه المسلمون ولم يكن فيه نص صريح من حيث الكراهة والقبح يكون فيه الاحتساب؛ لأن عرف المسلمين يتفق –في الغالب- مع قواعد الشريعة فلو أن إنساناً جاء إلى المسجد للصلاة وقد لبس إزاراً من السرة إلى الركبة ووضع على عاتقه شيئاً يسيراً فقط فإن هذا ينكر عليه فعله ولو لم يكن محرماً؛ لأن فعله مخالف لعرف المسلمين؛ ولأن الطباع السليمة المسلمة تنفر من ذلك؛ ولأنه بفعله عرض نفسه لحديث الناس والوقوع في عرضه.
    وكذلك الحال لمن لبس من الرجال الثياب الضيقة أو الخفيفة التي تحدد العورة وتصف البشرة، أو إطالة الشعر لا لقصد السنة وإنما اقتداء بالغرب والمنحرفين فإن مثل ذلك يعتبر منكراً، لأن فيه نوعاً من التشبه بالفساق وأعداء الله.
    ويندرج في المنكر جميع المنكرات سواء أكانت من صغائر الذنوب أم من كبائرها، وسواء أكانت تتعلق بحق الله تعالى أم بحق الآدميين.
    ولكن يجب أن نعرف بأن الذي يملك الحكم عليه بأنه منكر أو غير منكر (الشرع). لأن هذا الوصف حكم شرعي. والحاكم حقيقة هو الله سبحانه {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} [يوسف: 67] فليس هناك مجال للعواطف والأهواء والأغراض. ودور العلماء في ذلك هو استنباط الحكم الشرعي من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والقواعد المستوحاة منهما. ومن ثم الحكم على هذا الأمر بأنه منكر أو غير منكر .
    المطلب الثاني: أن يكون موجوداً في الحال
    وهذا الشرط له ثلاث أحوال:
    الحالة الأولى: أن يكون قد هم بفعل المنكر.
    الحالة الثانية: أن يكون متلبساً بالمنكر.
    الحالة الثالثة: أن يكون قد انتهى من فعل المنكر.
    تفصيل هذه الأحوال:
    الحالة الأولى: أن يكون قد هم بفعل المنكر: وذلك بأن توجد مقدمات وعلامات ومؤشرات تدل على وقوع المنكر مثل: أن يرى رجلاً يتردد مراراً في أسواق النساء ويصوب النظر إلى واحدة بعينها أو رأى شاباً يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن. وليس له من حاجة غير ذلك. أو سمع رجلاً يتحدث بالهاتف –هاتف الشارع- بصوت مرتفع مع امرأة ويحاول أن يرتبط معها بموعد، أو رأى رجلاً يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر، وطريقة تركيبه كل هذه الأمور تعتبر من المقدمات لفعل المنكر. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله سبحانه وتعالى، وبعقوبته والخوف من عذابه وبطشه. ويذكر له بعض النصوص القرآنية التي تبين أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه يسمع كلامه ويرى مكانه. مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7].
    ومثل قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19].
    وليكن ذلك بأسلوب فيه لين وعطف وإشفاق وليس فيه تجريح أو رفع صوت أو تشهير فهذه الأمور ربما دفعته إلى حالة تأخذه فيها العزة بالإثم. وليس هناك أحسن من هذا الأسلوب في هذه الحالة. والعلم عند الله.
    الحالة الثانية: أن يكون متلبساً بالمنكر:
    ومعنى ذلك أن تكون المعصية وصاحبها مباشر لها وقت النهي والتغيير. كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه أو كمن هو أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك. ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي المنكر الإنكار عليه ومنعه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضرراً أو أذى.
    يقول القاضي عياض –رحمه الله- حق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل ويريق المسكر بنفسه وينزع المغصوب ويرده إلى أصحابه .
    والإنكار عليه يكون بحسب فعل المنكر ومرتبة حكمه في الشرع.
    الحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية ونحو ذلك. ففي هذه الحال ليس هناك وقت للنهي أو التغيير وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل هذه المعصية، وهذا الأمر –في الغالب- ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر –المتطوع- وإنما هو شأن ولي الأمر أو نائبه فيرفع أمره للحاكم ليصدر فيه الحكم الموافق للشرع.
    يقول العلامة ابن نجيم... وأما بعد الفراغ منها –المعصية- فليس ذلك لغير الحاكم .
    وللآمر بالمعروف أن يخوفه بالله ويحذره من الوقوع في مثل ذلك مستقبلاً، ويذكره بآثار المعاصي السيئة في الدنيا والآخرة.
    المطلب الثالث: أن يكون المنكر ظاهراً من غير تجسس
    لقد شمل الإسلام جميع جوانب الحياة للمسلم وأعطى كل جانب منها حقه وضمن للإنسان أن يعيش في المجتمع آمناً مطمئناً محترماً وموقراً طالما أنه سالك الطريق المستقيم، وأما إذا حاد عن الطريق فإن الإسلام جعل لكل أمر معوج ما يناسبه من التقويم.
    ومن الأمور التي شرعها الإسلام لاحترام الإنسان وأمنه النهي عن التجسس عليه.
    فلا يجوز لأحد أن يدخل عليه بيته إلا بإذنه يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] حتى تسلموا وتستأذنوا وذلك أن يقول أحدهم السلام عليكم أأدخل؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير إنما هو حتى تسلموا وتستأذنوا .
    ففي الآية نص من الله تعالى بتحريم الدخول إلى البيوت بغير إذن، بل إن الإسلام حرم أقل من ذلك وهو النظر إلى داخل البيت من أحد ثقوبه أو فتحاته. فأسقط الشارع الحكم حد القصاص والدية عمن فعل ذلك.
    حيث ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ((لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح)) .
    وما رخصت عين الجاني إلا لعظمة حرمة المسلم داخل بيته.
    وإذا كان الإسلام حرم الدخول إلى البيت والنظر إلى داخله بغير إذن.
    فإن الإسلام أيضاً حرم التجسس. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} [الحجرات: 12] الآية.
    قال مجاهد –رحمه الله- خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله .
    وقال القرطبي –رحمه الله-: ومعنى الآية خذوا ما ظهر ولا تتبعوا عورات المسلمين أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله .
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)) .
    وفي رواية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا)) .
    ومعنى التحسس والتجسس قال بعض العلماء: الحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم وبالجيم: البحث عن العورات، وقيل بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشر. والجاسوس صاحب سر الشر، والناموس صاحب سر الخير، وقيل بالجيم أن تطلبه لغيرك وبالحاء أن تطلبه لنفسك قاله ثعلب. وقيل هما بمعنى وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال .
    وعلى كل فإنه إن كان وقع اختلاف في معنى التحسس والتجسس فإن العلماء متفقون على تحريم التجسس بنص الآية الكريمة {ولا تجسسوا} وبنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ولا تجسسوا)) وقد سبقت الإشارة إلى موضعها.
    وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنك اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)) .
    فهذا نص صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن التجسس وتتبع عورات المسلمين من وسائل إفساد المجتمع وقد ورد في ذلك بعض الآثار التي تبين وقوف الصحابة رضي الله عنهم عند هذا الحد، فلم يقدموا عليه بل إذا ما وقع من أحدهم ذلك لاجتهاد ظنه أنكر عليه ذلك.
    من ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن عوف قال: حرست ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجافى على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط. فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى، قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه {ولا تجسسوا} وقد تجسسنا، فانصرف عمر وتركهم .
    وقال أبو قلابة:
    حدث عمر أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو محجن: إن هذا لا يحل لك. قد نهاك الله عن التجسس فخرج عمر وتركه .
    فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر منهي عن التجسس إلا في حالات نادرة سنتحدث عنها في الفقرة التي تلي هذه، لأن من يفعل ذلك ينتهك عدة حقوق أساسية ثابتة شرعاً لمن تجسس عليه، منها: حقه في حرمته في مسكنه، وحقه في حرية شخصه باطلاعه على سره، هذا من جهة ومن جهة أخرى يكون المتجسس قد استباح وسيلة محرمة للوصول إلى غاية. وسواء أكانت هذه الغاية محرمة أم مباحة، فإن ذلك محظور؛ لأنها إن كانت محرمة فالوسيلة إليها محرمة، وأما إذا كانت الغاية مشروعة فلا يصح أن يسعى إليها بوسيلة محرمة؛ لأن الغاية تأخذ حكم الوسيلة .
    وجوب التستر:
    إن المسلم مأمور بأن يتستر ولا يظهر معصيته أياً كانت هذه المعصية سواء أكانت مرئية كأن يخرج عند بابه ويضع الفيديو إلى جواره وفيه أفلام خليعة، أو المسموعة كأن يضع بآلة التسجيل شريطاً به غناء غرامي وموسيقى خليعة ماجنة ونحو ذلك، أو المشمومة كأن يظهر رائحة الخمر والمسكر بحيث يشمها من هو خارج المنزل أو قريباً منه ويتكلم معه؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون قد أضاع الحق الذي أعطاه الإسلام له، ويكون بذلك عرض نفسه للإهانة والردع.
    ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويكشف ستر الله عنه)) .
    ومعنى (المجاهرين) المعلنون لفسقهم ومعاصيهم. قال القسطلاني: والمجاهرون بكسر الهاء المعلنون بالفسق؛ لاستخفافهم بحق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد .
    وقال ابن بطال:
    في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم. وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصي تذل فاعلها من إقامة الحد عليه إن كان فيها حد، ومن التعزير إن لم توجب حداً، وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.
    والذي يجاهر يفوته جميع ذلك. وفي المجاهرة بالمعصية تحريك لرغبة الشر فيمن سمعه أو شهده .
    قلت:
    ومصداق كلام ابن بطال ما ورد عن صفوان بن محرز أن رجلاً سأل ابن عمر كيف رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: ((يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: عملت كذا وكذا. فيقول: نعم. فيقول: عملت كذا وكذا. فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم)) .



  4. #304
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    فالإسلام لا يقر المجاهرة بالمعصية أياً كانت صغيرة أم كبيرة. لما لها من الآثار السيئة الكبيرة ليس على فاعلها فقط وإنما على المجتمع. إذ في المجاهرة بالمعصية تشجيع الناس عليها، وإبعاد الحياء عنهم بفعلها وتسهيل ارتكابهم لها، فكأن المجاهر رسم طريقاً لمن أراد أن يفعل كفعله.
    موقف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا ظهرت علامات المنكر:
    عرفنا حكم الإسلام في التجسس وعرفنا أيضاً أنه لا يجوز للمسلم أن يجاهر بالمعصية.
    ولكن ما هو موقف الناهي عن المنكر. إذا ظهرت أمارات المنكر وهو داخل البيت. كأن تفوح رائحة الخمر، أو تسمع آلات الموسيقى والطرب أو تسمع أصوات المغنيات والمطربات ونحو ذلك؟
    فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجب الإنكار في هذه الحال.
    قال في غذاء الألباب: وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره الأئمة مثل: سفيان الثوري وغيره وهو داخل في التجسس المنهي عنه .
    وأما الماوردي فيقسم المنكر في هذه الحال إلى قسمين:
    الحالة الأولى: أن يكون ذلك في انتهاك حرمة يفوت استدراكها ففي هذه الحال يجوز للناهي أن يتجسس.
    الحالة الثانية: ما خرج عن هذا الحد وقصر عن هذه الرتبة فلا يجوز التجسس عليه وكشف الأستار عنه .
    وقد استدل القائلون بعدم التجسس على أولئك بالأمر الوارد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- (أنه أتي إليه برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمراً. فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يُظهر لنا شيء نأخذ به) وأيضاً عموم الآيات والأحاديث الواردة عن النهي عن ذلك وذهب بعض العلماء إلى أنه في هذه الحالة يجوز التجسس عليهم واقتحام البيت إذا تحققت تلك الأمارات.
    قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون أن مثنى الأنباري حدثهم. قال: سمع أحمد بن حنبل حس طبل في جواره فقام إليهم ونهاهم.
    وقال أيضاً: أخبرني محمد بن علي الوراق أن محمداً بن أبي حرب حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه قال: يأمره. قلت: فإن لم يقبل؟ قال يجمع عليه الجيران ويهول عليه.
    وقال أيضاً: أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد النسائي حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله سئل عن الرجل يمر بالقوم يغنون. قال: هذا قد ظهر عليه أن ينهاهم .
    وقال الغزالي: إلا أن يظهر –المنكر- ظهوراً يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي، وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات بالمألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة .
    وقال ابن الجوزي: من تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه لم يجز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، وإن فاحت رائحة الخمر فالأظهر جواز الإنكار .
    والقول الثاني أرجح وهو جواز التجسس ووجوب الإنكار على من جاهر بالمعصية؛ لأن النصوص الواردة في النهي عن التجسس خاصة بمن لم يجاهر بمعصيته، وأما من جاهر بمعصيته فإنه لا يشمله هذا التكريم؛ لأن فعل المجاهر ينتج عنه أمور تخالف قواعد الشرع ونوضح المسألة بما يأتي:
    أولاً: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتستر وقال: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين)) فبفعله خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج من العافية.
    ثانياً: إنه بفعله هذا يكون قد نزع الحياء الذي شرعه الإسلام للمسلمين ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) .
    ثالثاً: إن هذا المجاهر قد ينتج عن فعله هذا ترويج الفاحشة وفعل المنكرات في المجتمع المسلم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، بل المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
    رابعاً: وأما استدلالهم بخبر ابن مسعود -رضي الله عنه- (وأنه أتي برجل تقطر لحيته خمراً فقال: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) .
    فهذا الخبر مردود عليهم من وجهين:
    الوجه الأول: إن هذا الخبر يخالف صريح وصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم حيث حدث مثل هذه الصورة وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامة الحد عليه.
    فقد ورد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر قال: (اضربوه) قال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاه الله. قال: ((لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)) .
    فإذا كان هذا في حق من قد شرب الخمر فما هو شأن من تقطر لحيته خمراً؟
    الوجه الثاني: إن هذا الخبر لا ينفي أن ابن مسعود -رضي الله عنه- أقام الحد عليه أو أمر بإقامته.
    فكان ابن مسعود يقول إننا لم نبحث عنه ولم نؤمر بالبحث عنه فلما أن ظهر لنا فعله فسوف نأخذ به. حيث قال ابن مسعود (ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) وما أشد ظهور المنكر في هذه الصورة.
    فمن هنا نقول في مشروعية الاحتساب على من جاهر بالمعصية. والله أعلم.
    المطلب الرابع: ألا يكون المنكر من المسائل المختلف فيها
    يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ألا ينكر على الناس في المسائل المختلف فيها كأن تكون هذه المسألة جائزة عند بعض الأئمة وممنوعة عند بعضهم والفاعل لها مقلداً لإمامه المجيز لهذه المسألة مثلاً:
    يقول الغزالي:
    فكل ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد. نعم لو رأى الشافعي شافعياً يشرب النبيذ فهذا في محل نظر والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقي من المذاهب أحبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل .
    وقال أبو الحسن الماوردي: واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي هل يجوز له –المحتسب- أن يحمل الناس فيما ينكره من الأمور التي اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا؟ على وجهين: أحدهما وهو قول أبي سعيد الاصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، فعلى هذا يجب على المحتسب أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد في أحكام الدين ليجتهد رأيه فيما اختلف فيه.
    والوجه الثاني: ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده، ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد للكافة، وفيما اختلف فيه، فعلى هذا يجوز أن يكون المحتسب من غير أهل الاجتهاد إذا كان عارفاً بالمنكرات المتفق عليها .
    وقال عبد الكريم زيدان: الواقع أن الخلاف إما أن يكون سائغاً وإما أن يكون غير سائغ ولكل حكمه:
    1- الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء وقال آخرون: يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه بشرط أن يكون المحتسب مجتهداً.
    2- الخلاف غير السائغ وهو الخلاف الشاذ أو الباطل الذي لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول كالذي يخالف صريح القرآن والسنة الصحيحة المتواترة المشهورة أو إجماع الأمة أو ما علم من الدين بالضرورة فمثل هذا الخلاف لا قيمة له ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب .
    ولعل الأرجح –والله أعلم- أنه ليس للمحتسب أن يحمل الناس على مذهبه إلا أن يكون مجتهداً وإذا كان مجتهداً فله ذلك. ولكن الأحرى أن لا ينتسب المجتهد إلى مذهب معين بل إنه يعمل بما ترجح لديه من الدليل. وإن كان يعمل بمعظم وبكثير من مسائل أحد المذاهب فعمله هذا على حسب ظهور الدليل له في هذه المسائل مثلاً.
    وأيضاً لا يشترط أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أهل الاجتهاد. لأننا لو شرطنا ذلك لتعطل الأمر والنهي ولعمت المنكرات لافتقار المجتهدين.
    والنصوص الشرعية خاطبت الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم تخاطب المجتهدين منهم فقط يقول تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110].
    ويقول صلى الله عليه وسلم ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) .
    ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أحداً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم اجتهاده ولا عن الصحابة أنهم نهى بعضهم بعضاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم اجتهاده.
    فتخصيص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمجتهد يحتاج إلى مخصص.
    فتبين من ذلك أن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يمارس ذلك ولو لم يكن من أهل الاجتهاد. والله أعلم.
    وقال الإمام أحمد في رواية المروذي: (لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم) وله رواية أخرى خلاف ذلك.
    قال في رواية الميموني في الرجل يمر بالقوم يلعبون بالشطرنج ينهاهم ويعظهم. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل مر بقوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فرمى به فقال: قد أحسن .
    فالإمام أحمد أقره على فعله بل أيده عليه مع الخلاف المذكور في الشطرنج.
    ولأحمد رواية ثالثة: لا ينكر على المجتهد بل على المقلد، روى إسحاق ابن إبراهيم عن الإمام أحمد أنه سئل عن الصلاة في جلود الثعالب، قال: إذا كان متأولاً أرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان جاهلاً ينهى ويقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك .
    وقال الخلال: أخبرنا عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: قلت لأبي عبد الله: ترى الرجل إذا رأى الرجل لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا يقيم أمر صلاته ترى أن تأمره بالإعادة؟ قال: يحسن صلاته أو نمسك عنه. ثم قال: إن كان يظن أنه يقبل منه أمره، وقال له ووعظه حتى يحسن الصلاة فإن الصلاة من تمام الدين .
    وقال أيضاً: أخبرني الحسن بن عبد الوهاب، أن إسماعيل بن يوسف حدثهم. قال: حدثنا يعقوب حدثنا عبد الرحمن حدثنا محمد بن النضر قال: سأل رجل الأوزاعي قال: من آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟ قال: من ترى أنه يقبل منك .
    وفي الغالب من على خلاف مذهبك لا يقبل منك.
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصواب ما عليه جماهير المسلمين أن كل مسكر خمر يجلد شاربه ولو شرب قطرة واحدة لتداو أو غير تداو.
    وقال في كتاب بطلان التحليل: قولهم ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل.
    أما الأول فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً.
    وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار. كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء.
    وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا اجتماع والاجتهاد فيها مساغ فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
    وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد. كما اعتقد ذلك طوائف من الناس والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها مثل كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل. وأن الجماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل.
    وقال أيضاً: من أصر على ترك الجماعة ينكر عليه ويقاتل عليه أيضاً في أحد الوجهين عن استحبابها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام الدليل عنده المبيح للمقاتلة والتفسيق كالبغاة بعد زوال الشبهة... .
    وقال النووي –رحمه الله-: إن المختلف فيه لا إنكار فيه لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق .
    الفصل الثالث: درجات النهي عن المنكر
    المبحث الأول: القدرة والاستطاعة وضابطها
    المطلب الأول: القدرة والاستطاعة
    إن من فضل الله تعالى على خلقه أن جعل دين الإسلام دين الواقعية، فهو لا يطالب المسلمين بأمور فوق طاقتهم لا يستطيعون فعلها أياً كان هذا المأمور به، فإما أن يسقط كلية أو يخفف إلى درجة تتناسب مع قدرات هذا الشخص.
    ولقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة موضحة ذلك أوضح بيان. يقول تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286].
    ويقول تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].
    ويقول تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
    ويقول صلى الله عليه وسلم ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) .
    فهذه النصوص الشرعية تبين بوضوح أن الإنسان لا يكلف فوق طاقته في أي أمر من أمور الشرع، وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا جزء من أوامر الشرع.
    ومدار هذا البحث على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه:
    ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) .
    فهذا نص صريح من المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن المغير للمنكر لا يلزمه إزالته بطريقة واحدة، بل عليه أن يغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال.
    يقول الجصاص حول قوله صلى الله عليه وسلم ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) الحديث: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان، ودل على أنه إن لم يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه، ثم إن لم يكن ذلك فليس عليه أكثر من إنكاره بقلبه .
    وقال النووي –رحمه الله-: وأما صفة النهي ومراتبه فقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: ((فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)) فقوله صلى الله عليه وسلم فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بإزالة وتغيير منه للمنكر ولكنه هو الذي وسعه.
    وقال عبد القادر عودة: ويشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون قادراً على الأمر والنهي وتغيير المنكر، فإن كان عاجزاً فلا وجوب عليه إلا بقلبه أي يكره المعاصي وينكرها ويقاطع فاعليها .
    ويدخل في عدم القدرة ما يلي:
    1- العجز الحسي.
    2- العجز المعنوي.
    والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يماثل الجهاد والدعوة إلى الله أو هما معاً، لذا فإنه كلما تتوفر القدرة العلمية والجسمية فإن عطاءه ونفعه يكون أكثر، وكلما نقص لديه جانب من الجوانب ذات الصلة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن نفعه يكون أقل.
    لذا اشترط العلماء لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القدرة الحسية والمعنوية.
    أولاً: العجز الحسي: فيشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر سلامة جسمه وقوته وكمال حواسه فلا يلزم الأخرس والأصم والأعمى بما لا يعلمون أنه منكر، أو لا يستطيعون إنكاره لفقد تلك الحواس أو بعضها.
    كذلك ضعيف الجسم وهزيله الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو لا يتحمل الأذى.
    وكذلك لا يلزم من يخشى على ماله وعرضه من النهب أو الانتهاك إذا أمر أو نهى أو نحو ذلك.
    وقد أفاض الغزالي القول في ذلك ونقتطف مما قال: الشرط الخامس: كونه قادراً، ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه، إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها. ثم قسم الاستطاعة إلى أحوال منها قوله:
    أحدها: أن يعلم أنه لا ينفع كلامه، وأنه يضرب إن تكلم، فلا تجب عليه الحسبة، بل ربما تحرم في بعض المواضع، نعم يلزمه أن لا يحضر مواضع المنكر ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب..
    الحالة الثانية: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله وفعله ولا يقدر له على مكروه فيجب عليه الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة.
    الحالة الثالثة: أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره ولكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها. ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين.
    الحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله كما يقدر على أن يرمي زجاجة الفاسق، بحجر فيكسرها ويريق الخمر.. ولكن يعلم أنه يرجع إليه فيضرب رأسه. فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب .
    ثانياً: الجانب المعنوي:
    فيشترط في المحتسب أن يكون عالماً عارفاً بأحكام الشرع وعالماً بالمنكرات، فيعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها. حيث إن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر، فلابد أن يعرف حدود المعروف وحدود المنكر فإذا كان عالماً فإنه يعرف مراتب كل منهما.
    يقول الشيرازي: لما أن كانت الحسبة أمراً بمعروف ونهياً عن منكر وإصلاحاً بين الناس وجب أن يكون المحتسب فقيهاً عارفاً بأحكام الشريعة؛ ليعلم ما يأمر به وينهى عنه. فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلا بكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ورب جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع، ويرتكب المحظور وهو غير عالم به.. .
    وقال الإمام النووي –رحمه الله-: إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها. وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء .
    إذاً فليس على العامي إنكار فيما يحتاج إلى علم أو اجتهاد بل يسقط عنه الأمر والنهي في هذه الحالة. ولكن يلزمه أن ينكر الأمور التي لا يعذر أحد بجهلها كترك الصلاة وفعل الزنا وشرب الخمر ونحو ذلك.
    يقول الغزالي: العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة، كشرب الخمر، والزنا، وترك الصلاة، فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى الاجتهاد فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه .
    المطلب الثاني: ضابط الاستطاعة
    لا شك أن ضابط الاستطاعة ليس له ميزان دقيق، فالأشخاص يختلفون، فهذا يقدر على أمور لا يستطيعها شخص آخر، وهذا قد أعطاه الله قوة في العلم والجسم وآخر قد فقدها أو أحدهما. فالضابط الحقيقي متروك لضمير الشخص نفسه. ولكن مع ذلك ينبغي أن يكون هناك حد أدنى يقف عنده الناس حتى لا يكون مبدأ عدم القدرة وسيلة لترك الأمر والنهي فهناك أمور يجب أن لا تصد الناس عن الأمر والنهي. فمثلاً الخوف من اللوم أو السب والشتم ونحو ذلك. فلا يعذر أحد من الناس بسبب ذلك لأنه بسيط وهو في ذات الله تعالى. ولقد أثنى الله سبحانه وتعالى على الذين يجاهدون في سبيله ولا يخافون فيه لومة لائم.
    يقول تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} [المائدة: 54].
    يقول ابن كثير –رحمه الله-: أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله تعالى وإقامة الحدود وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل .
    وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)) .
    وقال القرطبي: (أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره) .
    ويقول الغزالي: ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه أو تعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلاً إذ لا تنفك الحسبة عنه .
    فينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن لا يلتفت لهذه الأمور الصغيرة فإنها تعد قشوراً بسيطة تصيبه في ذات الله وهو مع ذلك لا يعتبر قدم شيئاً يذكر، وكان الأولى له والأفضل أن يقدم نفسه رخيصة في سبيل الله.
    ويجب أن يعرف المسلم أن عذر الشارع في عدم النهي عن المنكر إذا خاف الإنسان على نفسه رخصة. وأما طريقة العزيمة والفضل فهو أن يقدم الإنسان نفسه وما يملك من أجل إعلاء كلمة الله تعالى، دون أن يتراجع عن كلمة الحق مهما كلفته؛ لأن الشارع رغب في ذلك.
    وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إنه تصيب أمتي في آخر الزمان من سلطانهم شدائد لا ينجو منه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه فذلك الذي سبقت له السوابق، ورجل عرف دين الله فصدق به، ورجل عرف دين الله فسكت عليه، فإن رأى من يعمل الخير أحبه عليه وإن رأى من يعمل بباطل أبغضه عليه فذلك ينجو على إبطانه كله)) .
    وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) أو ((أمير جائر)) .
    وفي المسند عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في حديثه الطويل عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ((ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه، ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)) .
    فهذه الأحاديث وغيرها تفيد أن الإنسان مأجور عندما يصدع بكلمة الحق ويأمر وينهى، ولو أدى ذلك إلى هلاكه وتعذيبه؛ لأن نتيجة الكلمة الصادقة عند السلطان الجائر معروفة.
    يقول العمري: لا شك أن التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الجهر بكلمة الحق ليست بأمر سهل ترغب فيه النفوس فهي تطلب حباً قوياً وإخلاصاً عميقاً، وعزيمة صادقة وهمة بعيدة. ولكن مما لا شك فيه أيضاً أن أصحاب العزيمة وأهل الإخلاص هم أرفعهم عند الله درجة وأعلاهم مكانة.
    ثم يقول: هذه الأمة التي ألقى الله على كواهلها مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي عليها أن تصلح أمرها بنفسها لها تاريخ مشرق مجيد في الصدق والجرأة والشهامة والصدع بالحق، ولئن وجدت فيه من سكت عن المنكر وما قوي على إظهار المعروف لضعف إيمانه، فلا تستقل عدد أولي العزم وأصحاب الهمم الذين تصدوا للباطل وشهدوا بالحق في ظلال السيوف وذلك هو الذي ما زال يضمن للأمة، حياتها وبقاءها وإن فقدت كافة الأمة يوماً هذه الروح -روح التضحية والفداء والتفاني- كان أشأم يوم في تاريخها وانقطعت عنها رحمة الله ولم يحل بينها وبين هلاكها شيء وسقطت في الدرك الأسفل إلى هاوية الانحطاط .
    وجوب الأمر والنهي ولو خاف على نفسه:
    قد يكون الأمر والنهي واجباً ولو خاف على نفسه الهلاك، وذلك إذا كان يترتب على ذلك هداية طائفة من الناس إذا قال كلمة الحق، أو ضلالهم إذا سكت. فهنا يجب عليه أن يقول كلمة الحق ولو أدى ذلك إلى قتله.
    والدليل على ذلك قصة الغلام مع الملك التي رواها صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل وقد ذكرها أهل التفاسير عند تفسير سورة الحج .
    ورواها الترمذي في سننه وفيها: ((... فقال الغلام للملك: إنك لا تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني بسم الله رب هذا الغلام. قال فأمر به فصلب ثم رماه فقال بسم الله رب هذا الغلام. قال فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات. فقال أناس لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام...)) .
    فهذا الغلام ضحى بنفسه لعلمه أنه سيهتدي بعده آلاف الناس وقصة الإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- مشهورة. حيث ثبت على قوله الحق في أن القرآن منزل غير مخلوق لعلمه أن الناس سيقتدون به، ولو قال إنه مخلوق تورية لضل بذلك خلق كثير.
    المبحث الثاني: التغيير باليد أدلته وشروطه
    المطلب الأول: تغيير المنكر باليد وأدلته
    ونقصد بذلك تغيير المنكر باليد ككسر الملاهي وإراقة الخمر وإتلاف آنيته إذا لم يمكن ذلك وخلع الحرير، وتكسير الأصنام وتمزيق الصور أو طمسها وإتلاف الكتب والمجلات المضللة ونحو ذلك.
    الأصل في تغيير المنكر باليد الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على ذلك.
    يقول تعالى حكاية عن إبراهيم –عليه السلام-: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 57-58] فإبراهيم –عليه السلام- كسر الأصنام بيده.
    وقال تعالى حكاية عن موسى –عليه السلام- {وَانظُرْ إلى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} [طه: 97].
    فأخبر –سبحانه وتعالى- عن كليمه موسى –عليه السلام- أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله ونسفه في اليم.
    ويقول تعالى آمراً نبيه أن يقول: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].
    وذلك حينما دخل مكة عام الفتح فأخذ يطعن الأصنام بعود بيده وهو يتلو هذه الآية.
    ورد عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده. ويقول {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81])) .
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) الحديث.
    فهذا نص صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر باليد.
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد)) .
    وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي ابن كعب من فضيخ زهو تمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس فاهرقها فأهرقتها)) .
    وفي رواية لمسلم: ((فقال أبو طلحة: يا أنس قم إلى هذه الجرة فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت)) .
    وعن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-: قال: ((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر فتأخرت له فكان عن يمينه وكنت عن يساره فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر. قال ابن عمر: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدية، وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فشقت ثم قال لعنت الخمر وشاربها)) الحديث.
    وفي رواية لابن عمر –أيضاً- قال: ((أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية وهي الشفرة فأرهفت فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق خمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق إلا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقاً إلا شققته)) .
    فهذه الأحاديث دليل واضح بالقول والفعل من الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته على تغيير المنكر باليد.
    الفرع الأول: المنكرات التي يجوز إتلافها باليد
    للناهي عن المنكر أن يتلف الأشياء العينية المحرمة مثل الأصنام المعبودة من دون الله بشتى أنواعها وأياً كانت مادتها من خشب أو ذهب أو نحاس. فله تكسيرها وإتلافها وكذلك آلات اللهو بشتى أنواعها من عود وآلات موسيقية ونحو ذلك أو الأشرطة التي سجل فيها أغاني خليعة وموسيقى ماجنة ونحو ذلك. أو الصور الخليعة المحرمة فله طمسها أو تمزيقها وإتلافها.
    كل ذلك يجوز له تغييره باليد وإتلافه لكن عليه أن ينظر إلى قواعد الشرع قبل الإقدام على ذلك ومراعاة المصلحة فلا يخلف ذلك منكراً أكبر منه...
    قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن رجل كسر عوداً كان مع أمه لإنسان فهل يغرمه. أو يصلحه؟ قال:
    لا أرى عليه بأساً أن يكسره ولا يغرمه ولا يصلحه. قيل فطاعتها؟ قال: ليس لها طاعة في هذا.
    وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا، فأخذ الشطرنج فرمى بها. قال: قد أحسن. قيل: فليس عليه شيء. قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عوداً أو طنبوراَ؟ قال: نعم. وقال عبد الله: سمعت أبي – في رجل يرى مثل الطنبور أو العود أو الطبل أو ما أشبه هذا ما يصنع به؟ قال: إذا كان مكشوفاً فاكسره.
    وقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن كسر الطنبور الصغير يكون مع الصبي؟ قال يكسره أيضاً. قلت: أمر في السوق فأرى الطنبور تباع أأكسره؟ قال: ما أراك تقوى، إن قويت –أي فافعل- قلت أدعى لغسل الميت فأسمع صوت الطبل؟ قال إن قدرت على كسره وإلا فاخرج .
    وهذه الروايات عن الإمام أحمد –رحمه الله- تفيد إنكار المنكر باليد، وكسر مثل هذه المنكرات وإزالتها. وهذه مبنية على أصل الشرع.
    فعن أبي الهياج الأسدي -رضي الله عنه- قال: قال لي علي بن أبي طالب: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) .
    وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: ((دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال صلى الله عليه وسلم أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) الحديث.
    وفي رواية لابن عباس –أيضاً- ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت)) الحديث.
    فهذه الأحاديث وغيرها من النصوص تبين مشروعية إزالة المنكرات باليد، على أية صورة كانت الإزالة مما يناسب ذلك المنكر إما تغييراً كلياً أو جزئياً.
    الفرع الثاني: هل يضمن المنكر ما أتلفه؟
    المسألة خلافية بين العلماء فبعضهم يقول لا يضمن ما أتلفه؛ لأن ما أتلفه منكر ومحرم فثمنه حرام فلا ضمان عليه. وبعضهم يقول ما يزول به المنكر لا ضمان فيه وأما الباقي فيضمنه.
    ذكر الخلال في كتابه بسنده عن أبي الحصين أن شريحاً أتي في طنبور فلم يقض فيه بشيء .
    وقال الخلال أخبرني محمد بن أبي هارون، أن يحيى بن يزدان أبا السفر حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن رجل رأى في يد رجل عوداً، أو طنبوراً فكسره أصاب أو أخطأ وما عليه في كسره شيء؟ فقال قد أحسن وليس عليه في كسره شيء .
    وقال ابن قدامة: وإن كسر صليباً أو مزماراً أو طنبوراً أو صنماً لم يضمنه.
    وقال الشافعي: إن كان ذلك إذا فصل يصلح لنفع مباح، وإذا كسر لم يصلح لنفع مباح لزمه ما بين قيمته منفصلاً ومكسوراً. لأنه أتلف بالكسر ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه ضمانه.
    وقال أبو حنيفة: يضمن. ولنا أنه لا يحل بيعه فلم يضمنه كالميتة. والدليل على أنه لا يحل بيعه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام)) متفق عليه ..........
    وقال ابن عبد القوي في منظومته:

    ولا غرم في دف الصنوج كسرته
    ولا صور أيضاً ولا آلة الدد

    وآلة تنجيم وسحر ونحوه
    وكتب حوت هذا وأشباهه أقدد

    وبيض وجوز للقمار بقدر ما
    يزيل عن المنكور مقصد مفسد

    ولا شق زق الخمر أو كسر دنه
    إذا عجز الإنكار دون التقدد

    وإن يتأتى دونه دفع منكر
    ضمنت الذي ينقي بتغسيليه قد

    ورأي ابن عبد القوي في هذه المسألة التفصيل.
    ... والذي يظهر... أن الاختلاف يتعلق بالمنكر نفسه فأحياناً يكون كله منكراً، وأحياناً يجمع بين المنكر والمعروف. فإذا كان كله منكراً كالعود –آلة الغناء- فهذا يكسر ولا ضمان فيه؛ لأنه مخصص لهذا الغرض فقط ولا يمكن الاستفادة منه بشيء آخر. وإن كان فيه من هذا وذاك فالأولى إزالة المنكر وترك ما عداه. فمثلاً: إذا كان فيه كتاب فيه فصول جيدة ولكن فيه فصل خبيث. فتمزق أوراق هذا الفصل ويترك الباقي. وكذلك الحال لو كان فيه مجلة فيها مقالات طيبة ولكن فيها صورة خليعة فتمزق هذه الصورة ويترك الباقي. ولكن ينبغي أن يعلم إذا كانت المصلحة تقتضي إتلاف الذي جمع بين المنكر والمعروف فإنه يتلف ولا ضمان.
    فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يزن هذه الأمور بميزان الشرع ثم يمضي لتنفيذ أمر الله تعالى
    المطلب الثالث: شروط تغيير المنكر باليد وضوابطه
    1- أن يكون تغييره للمنكر خالصاً لوجه الله تعالى وليس هدفه من ذلك هو ردود فعل أو الانتقام أو التشفي أو نحو ذلك من حظوظ النفس.
    2- أن يتحقق من هذا المنكر وأنه يستحق التغيير أو الإتلاف.
    3- أن لا يتجاوز الحد المشروع إن كان من المنكرات التي يمكن إتلاف بعضها وترك البعض الآخر.
    4- أن يباشر ذلك بنفسه إن تيسر ذلك أو يستعين بمن هو أهل لذلك.
    5- القدرة وعدم ترتب مفسدة أكبر من جرائه، وفي مسألة التغيير للمنكر باليد خاصة إذا جعلنا ذلك لكل أحد وفي كل منكر فإن ذلك يجر من المفاسد الشيء الكثير جدا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ويجلد الشارب، ويقيم الحدود، لأنه لو فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد، لأن كل واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر) هذا وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه إذا تطلب الأمر شهر سلاح فإن ذلك لا بد فيه من إذن السلطان لئلا يؤدي إلى فتنة فمسألة التغيير باليد مع وجود القدرة مشروطة بعدم ترتب مفسدة أكبر من جراء الاحتساب.
    تمهيد
    من أهم وسائل تغيير المنكر تغييره باللسان وذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأن هذا محرم ومنهي عنه. فقد يرتكب المنكر لجهله به. فيمكن تغيير المنكر عن طريق الوعظ والإرشاد والنصح والتخويف وتغليظ القول والتقريع والتعنيف ونحو ذلك، فلعله يقلع عن المنكر بسبب ذلك.
    ولتغيير المنكر باللسان مراتب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يسلكها أولاً بأول؛ لأن الهدف الأساسي هو إصلاح الناس وليس إيذاؤهم.
    المطلب الأول: التعريف
    وذلك بأن يعرف مرتكب المنكر –إما بالمباشرة أو التعريض حسب الموقف- بأن هذا لا ينبغي أو حرام وأنت لست ممن يفعل ذلك بالقصد، فأنت أرفع من ذلك. ويبين له ذلك بالحكمة والرفق واللين حتى يقبل ولا ينفر.
    وقد ضرب الغزالي مثلاً لذلك قال فيه: (فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله، وإذا عرف أنه منكر تركه كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود، فيجب تعريفه باللطف من غير عنف؛ وذلك لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحمق والتجهيل إيذاء، وقلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور ولاسيما بالشرع. ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف أن تنكشف عورة جهله والطباع أحرص على ستر عورة الجهل. فنقول له إن الإنسان لا يولد عالماً ولقد كنا أيضاً جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء، ولعل قريتك خالية عن أهل العلم، أو عالمها مقصر في شرح الصلاة. وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء، فإيذاء المسلم محذور كما أن تقريره على المنكر محذور. وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول، ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول على التحقيق...) .
    ... ويختلف الأسلوب من شخص لآخر ومن وقت إلى وقت، فعلى الناهي عن المنكر أن يلبس لكل حالة لبوسها. ولابد في كل الحالات من عامل مشترك ألا وهو التعريف بالرفق واللين واللطف ولا سيما إذا كانت حال الواقع في المنكر مجهولة.
    ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا علم شخصاً ما قد وقع في محظور فإنه يخطب ويعمم ولا يخصص. كل ذلك من أجل أن لا يجرح شعور ذلك الشخص.
    فقد ورد عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كره من إنسان شيئاً قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)) .
    وفي رواية ((إذا بلغه عن الرجل شيء)) الحديث .
    وروى الخلال بسنده قال أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل أنه سمع أبا عبد الله يقول: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق والردى فيجب عليك نهيه وإعلانه؛ لأنه يقال: ليس لفاسق حرمة، فهذا لا حرمة له .
    وقال أيضاً: أخبرني محمد بن علي الوراق قال: حدثني مهنا قال: قال أحمد بن حنبل، كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون. يقولون مهلاً رحمكم الله .
    فهذه الآثار تبين طريقة السلف رضي الله عنهم في النهي عن المنكر.
    المطلب الثاني: النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى
    وهذه الدرجة تتعلق غالباً في مرتكب المنكر العارف بحكمه في الشرع بخلاف الدرجة الأولى فهي في الغالب تستعمل للجاهل في الحكم.
    فهذا يستعمل معه أسلوب الوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى ويذكر له آيات الترهيب والوعيد، ولكن بأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة يقول تعالى: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
    ويقول تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [عمران: 159].
    وحتى لو كان عارفاً لهذه النصوص فلها تأثيرها وهذا يعتبر ذكرى. والله يقول {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].
    ويبين له ما أعد الله للطائعين، ويذكره بالموت وأنه ليس له وقت معين، بل يأتي بغتة، وربما جاء الإنسان وهو واقع في المعصية، فتكون خاتمته سيئة.
    ويبين له أن هدفه من نصحه وإرشاده حبه له وخوفه عليه من عذاب يوم القيامة وأنه ما فعل ذلك إلا إشفاقاً عليه، حتى يطمئن له وتنفتح نفسه لسماع الموعظة وربما أعقب ذلك الإقلاع عما هو واقع به.
    وينبغي أن يتدرج مع المنهي في الأحوال التالية:
    1- أن يذكر بعض النصوص من القرآن والسنة المخوفة للعاصين والمذنبين، وأقوال السلف في ذلك. ويختار من ذلك القصير شديد الوقع في النفس.
    2- تذكيره بالأمم والطوائف والأشخاص الذين وقعوا في المعصية وحل عليهم غضب الله وعذابه. والشواهد في الكتاب والسنة كثيرة جداً.
    3- أن يذكره أن للذنوب سلبيات كثيرة، وأن ما يصيب الإنسان في نفسه وأهله وماله بسبب الذنوب.
    ورد عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يزيد العمر إلا البر، ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)) .
    وقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].
    وغير ذلك من النصوص والآثار التي تبين عقوبة المعاصي في الدنيا والآخرة.
    4- محاولة ذكر الأدلة والشواهد الخصوصية إن كان يعرف ذنبه بشكل خاص. فإذا كان معروفاً بشرب الخمر ركز على عقوبة شارب الخمر والآثار الواردة في ذلك والعقوبات المترتبة عليه في الدنيا والآخرة. ثم ينتقل إلى الوعظ بشكل عام.
    وليحرص كل الحرص أن تكون الموعظة سراً بينه وبينه حتى لا تأخذه العزة بالإثم فيرفض قبولها، وحتى يعلم بحق أنه ليس للناهي هدف سوى النصيحة والإشفاق عليه فقط.
    ذكر ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس: عن مسعر بن كدام قال: (رحم الله من أهدى إلي عيوبي في ستر بيني وبينه فإن النصيحة في الملأ تقريع) .
    وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية –بسنده- عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة فخالفه عمرو بن شرحبيل. فغضب سلمان بن ربيعة ورفع صوته فقال عمرو بن شرحبيل: والله لكذلك أنزلها الله تعالى فأتيا أبا موسى الأشعري فقال: القول ما قاله أبو ميسرة. وقال لسلمان ينبغي لك أن لا تغضب إن أرشدك رجل. وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره يعني تساوره ولا ترد عليه والناس يسمعون .
    فينبغي للناهي عن المنكر أن يستخدم السبل التي تعين صاحب المنكر على أن يقلع عن معصيته. والله أعلم.
    المبحث الثالث: التغيير باللسان ومراتبه
    المطلب الثالث: الغلظة بالقول
    المطلب الثالث: الغلظة بالقول
    وهذه المرتبة يلجأ إليها بعد استخدامه الأسلوب السهل اللين القريب. وبعد معرفته أن أسلوب اللين لم يجد عند ذلك يغلظ له القول ويشدد عليه ويزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك.
    فإذا أمن شره فإنه يقوم بذلك ولكن لا يقول إلا حقاً.
    وهذا الأسلوب قد استعمله أبو الأنبياء عليه وعليهم السلام. يقول الله تعالى حكاية عنه {أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67].
    فيقول اتق الله أما تخاف الله أما تستحيي ألا تعرف أن فعلك هذا فعل الفساق والفجار، وهكذا، فلعله ينزجر.
    وينبغي للناهي أن لا يطلق لسانه في كل ما يرد عليه، بل يحاسب نفسه على كلمة ستخرج منه، وفي الوقت نفسه عليه أن لا يتعدى، فإذا علم أن صاحبه استجاب أو أقلع وقف. وشكره على استجابته كأن يقول: جزاك الله خيراً وبارك فيك.
    يقول الغزالي ولهذه الدرجة أدبان:
    أحدهما: أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف.
    الثاني: أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه. فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل على قدر الحاجة.. .
    المطلب الرابع: التهديد والتخويف
    وهذه المرتبة هي آخر المحاولات لنهيه باللسان ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل.
    فيقال له: ...لأخبرن بك السلطات لتسجنك وتعاقبك على فعلك.
    وهكذا يورد عليه بعض أساليب التخويف والتهديد ولكن ينبغي أن يكون هذا التهديد والتخويف في حدود المعقول عقلاً وشرعاً حتى يعرف أنك صادق في تهديدك؛ لأنك لو هددته بأمور غير جائزة شرعاً عرف أنك غير جاد؛ لأن الآمر يجب أن يكون أقرب الناس استجابة لشرع الله تعالى.
    فلا يقول له: إن لم تنته سوف أحرق بيتك بمن فيه وأسلب مالك وأفعل وأفعل. من أمور لا تجوز شرعاً.
    يقول الغزالي: ولا يهدد بوعيد لا يجوز له تحقيقه كقوله لأنهبن دارك أو لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك وما يجري مجراه بل إن ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام وإن قاله من غير عزم فهو كذب... .
    هذه هي مراتب الإنكار باللسان فعلى الناهي أن يسلك هذه المراتب عند نهيه مرتبة مرتبة، ولا ينتقل من مرتبة قبل أختها؛ لأن المقصود إصلاح هذا المسلم الذي وقع في منكر، وليس المقصود الانتقام منه أو الانتصار عليه. فإن انتهى عند المرتبة الأولى فهو المطلوب وإلا انتقل للتي تليها وهكذا.
    المبحث الرابع: التغيير بالقلب أهميته وحقيقته وفوائده
    المطلب الأول: أهمية التغيير بالقلب
    المنكر لا تقره الشريعة بأي حال من الأحوال، فلابد من تغييره ولكن تغييره على مراتب.
    ولما كان الناس يختلفون في قدراتهم الجسمية والعقلية وغير ذلك. فإن الشارع الحكيم رتب إنكار المنكر على حسب قدرة الشخص، ولكن لا يعذر أحد من المكلفين بترك الإنكار مهما يكن من أمر.
    فيجب عليه أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال؛ لأن كل إنسان يستطيع ذلك ومن هو الذي لا يقدر على الإنكار بالقلب إلا رجل قد مرض قلبه وانتكس فهذا أمره أشد من قضية الإنكار بالقلب.
    والأصل في هذا الحكم. ما رواه الإمام مسلم بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) .
    وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)) الحديث.
    وقد ذكر الإمام النووي في شرح مسلم كلام القاضي عياض –رحمه الله- فقال: هذا الحديث أصل في صفة التغيير فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولاً كان أو فعلاً، فيكسر آلات الباطل، ويريق المسكر بنفسه. أو يأمر من يفعله، وينزع المغصوبات ويردها إلى أصحابها بنفسه أو بأمره إذا أمكنه، ويرفق جهده بالجاهل وبذي العزة الظالم المخوف شره. إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله. كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الصلاح والفضل لهذا المعنى، ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكراً أشد مما غيره لكون جانبه محمياً عن سطوة الظالم فإن غلب على ظنه أن تغييره يسبب منكراً أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده، واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف. فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله تعالى. وإن وجد من يستعين به على ذلك استعان ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين خلافاً لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قتل ونيل منه كل أذى، هذا آخر كلام القاضي –رحمه الله- .
    ومن كان في قلبه حياة وليس في مقدوره أن يغير المنكر بيده ولا بلسانه فعليه أن يكره هذا المنكر ويعلم الله من قلبه الصدق والعزيمة على تمني زوال هذا المنكر ولولا المانع لأزاله.
    قيل لابن مسعود -رضي الله عنه-: من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً .
    فالذي لا يأمر بالمعروف ولا ينكر المنكر بأدنى درجاته فهو ميت القلب.
    وعندما تكلم يحيى بن معاذ الرازي يوماً في الجهاد وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قالت له امرأة: هذا واجب وضع عنا فقال: هبي أنه وضع عنكن سلاح اليد واللسان فلم يوضع عنكن سلاح القلب فقالت له صدقت جزاك الله خيراً . فإن سلاح اللسان لا يسقط عن المرأة فعليها أن تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من أقاربها الرجال وأما النساء فعليها الإنكار عليهن بصفة عامة. ولهذا شواهد:
    ورد عن عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها- أنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صلب –أي ثوب عليه خطوط متصالبة- فقالت عائشة: ((انزعي هذا من ثوبك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه في ثوب قضبه)) .
    وأما بالنسبة للإنكار على الرجال:
    فقد ورد أن عائشة –رضي الله عنها- رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك الصلاة على سعد بن أبي وقاص. فقالت: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ويل للأعقاب من النار)).
    ولا شك أن إنكار المرأة بقلبها على الرجال هو الغالب وعلى النساء في بعض الحالات بخلاف الرجل فإن إنكاره في قلبه مقيد بظروف معينة، وهي عدم مقدرته على الإنكار باليد واللسان فيجب على المسلم أن يعلم أنه لا يعذر بحال بترك الإنكار بقلبه عند عجزه عن الإنكار باليد واللسان. وإذا كان قلبه لا يتحرك عند رؤيته للمنكر فعليه أن يعلم أن قلبه مريض ويحتاج إلى علاج. وأما إذا علم صدق نيته بقلبه في بغضه للمنكر وتمني زواله فإن الله سبحانه وتعالى يعطيه مثل أجر القادر عليه وعلى أسوأ الأحوال فإنه لا يأثم بتركه ذلك.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- فأما حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته فينبغي أن تكون كاملة جازمة لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان. وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.. .
    المطلب الثاني: حقيقة الإنكار بالقلب
    يغلط البعض فيظن أنه ما دام كارهاً للمنكر فلا بأس عليه بمخالطة فاعله والجلوس معه حال مواقعته المنكر.. أو البقاء في مكان فيه منكر في الشرع وهذا مخالف لما دل عليه القرآن والسنة. قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140] وهذا نهي صريح عن مجالستهم حال مواقعتهم لهذا المنكر.. فما دام لا يقدر على الإنكار باليد أو اللسان فلا بد إذاً من مفارقته للمنكر.. هذا هو الصحيح .
    قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي –رحمه الله- عند هذه الآية: (وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم {حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي: غير الكفر بآيات الله ولا الاستهزاء بها.
    {إِنَّكُمْ إِذًا} أي إن قعدتم معهم في الحال المذكور (مثلهم) لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلساً يعصى الله به فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع القدرة، أو القيام مع عدمها) . ا.هـ.
    وقال القرطبي –رحمه الله- عند هذه الآية: (.. فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.. وإذا ثبت تجنب أهل المعاصي فتجنب أهل البدع والأهواء أولى..) ا.هـ.
    وقال البخاري –رحمه الله-: (باب: هل يرجع إذا رأى منكراً في الدعوة؟).
    ثم قال: ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع .
    ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت ستراً على الجدار. فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاماً. فرجع .
    ((ثم ساق بسنده من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهة فقلت: يا رسول الله: أتوب إلى الله وإلى رسوله، ماذا أذنبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بال هذه النمرقة؟ قالت: فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة.. ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)) .



  5. #305
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    وقال ابن ماجه: (باب إذا رأى الضيف منكراً رجع). وذكر حديث علي رضي الله عنه قال: (صنعت طعاماً فدعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فرأى في البيت تصاوير فرجع) .
    وأورده أيضاً من حديث سفينة، أبي عبد الرحمن، قال: ((إن رجلاً أضاف علي بن أبي طالب فصنع له طعاماً، فقالت فاطمة: لو دعونا النبي صلى الله عليه وسلم فأكل معنا، فدعوه فجاء، فوضع يده على عضادتي الباب، فرأى قراماً في ناحية البيت فرجع. فقالت فاطمة لعلي: الحق، فقل له ما رجعك يا رسول الله؟ قال: إنه ليس لي أن أدخل بيتاً مزوقاً)) .
    وقد ذهب الإمام أحمد –رحمه الله- إلى أنه يخرج من الوليمة إذا وجد جدران البيت قد سترت، وكذا إذا استعمل صاحب الوليمة آنية الفضة أو الذهب، أو رأى في البيت شيئاً من ذلك المستعمل .
    قال المروذي: (قلت لأبي عبد الله: فالرجل يدعى فيرى مكحلة رأسها مفضض؟ قال: هذا يستعمل، وكل ما استعمل فاخرج منه..) .
    وقال المروذي: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يدعى فيرى فرش ديباج، ترى أن يقعد عليه أو يقعد في بيت آخر؟! قال: يخرج، قد خرج أبو أيوب وحذيفة) .
    وجاء عن أبي مسلم الخولاني –رحمه الله- أنه انصرف إلى منزله فإذا هو بالبيت قد ستر، فقال: إن بيتكم هذا ليجد القر فأدفئوه، وإلا فلا أبرح حتى تنزعوه، فنزعوا الستور ثم دخل .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: (وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان أتى بيتاً فرأى فيه حارستان، فيه أباريق الصفر والرصاص فلم يدخله وقال: من تشبه بقوم فهو منهم –وفي لفظ آخر: فرأى شيئاً من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم).
    وقال علي بن أبي صالح السواق: (كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج، فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس، زي المجوس) .
    وقال في رواية صالح: (إذا كان في الدعوة مسكر أو شيء من آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب، خرج ولم يطعم) ا.هـ .
    وقال إبراهيم الحربي: (وكان –أي الإمام أحمد- إن رأى إناء فضة أو منكر خرج..) .
    وقال أبو محمد بن تميم الحنبلي –رحمه الله- عند ذكره لعقيدة الإمام أحمد:.. وكان يتحرج أن يدخل إلى دار فيها صور، أو دعوة فيها لهو أو غناء أو جنازة يتبعها نوح أو مزمار، فإذا حضرها لم يرجع عنها. (أي الجنازة) .
    وأخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال: أخذ عمر بن عبد العزيز قوماً على شراب، فضربهم وفيهم صائم. فقالوا: إن هذا صائم فتلا: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ} [النساء: 140] .
    وقال الحافظ عند شرحه لحديث عائشة –رضي الله عنها- في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف بهم: (قال المهلب: في هذا الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً أن العقوبة تلزمه معهم. قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر وإن لم يشرب) . ا.هـ.
    وقال الإمام مالك –رحمه الله-: (لا ينبغي المقام بأرض يعمل فيها بغير الحق والسب للسلف الصالح، وأرض الله واسعة، لقد أنعم الله على عبد أدرك حقاً فعمل به) .
    سئل الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله- عن وجوب الهجرة من بلاد المسلمين التي يحكم فيها بالقانون فأجاب: (البلد التي يحكم فيها بالقانون ليست بلد إسلام. تجب الهجرة منها، وكذلك إذا ظهرت الوثنية من غير نكير ولا غيرت فتجب الهجرة، فالكفر بفشو الكفر وظهوره هذه بلد كفر.
    أما إذا كان قد يحكم فيها بعض الأفراد أو وجود كفريات قليلة لا تظهر، فهي بلد الإسلام.
    ما الذي سلط الأعداء على المسلمين؟
    إذا كان نفس الشيء الذي نقمه الرسول هو المقدم عندهم، واستغنوا باسم الإسلام وصلاة ونحو ذلك.
    إن في القرآن والسنة الشفاء والبيان.
    شيء واضح بينه القرآن ووضحه في عدة مواضع أن المشركين مقرين بالربوبية، ثم آيات أخر عينت الشيء الذي طلبوه، فهذا هو الذي أنكره القرآن عليهم من جهة العقيدة.
    ولعلك أن تقول: لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل.
    فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل.
    وإذا قدر على الهجرة من بلاد تقام فيها القوانين وجب ذلك) .
    وسئل أيضاً عن بلد يحل أهلها البغاء فقال: (.. ينبغي الهجرة من بلد دون هذا، ويجب قتالهم حتى ينتهوا عن ذلك) .
    وله –رحمه الله-: (من محمد بن إبراهيم إلى المكرم سلمه الله.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:-
    فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن إنسان اضطرته ظروف الحياة إلى الاجتماع بأناس لا يصلون الصلوات الخمس، وكان يسكن معهم في محلهم، يأكلون جميعاً ويشربون، ويبيتون.
    وتسأل عن حكمهم، وحكم من يسكن معهم؟
    والجواب: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما كنا نظن أن يوجد مثل هؤلاء بين ظهراني المسلمين.. والواجب عليهم الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فإن التوبة تجب ما قبلها، وعلى جميع من يعلم بحالهم هذه أن ينصحهم ويكرر مناصحتهم، فإن لم يمتثلوا قام عليهم غيرة الله تعالى ورفع بأمرهم إلى ولاة الأمر، كما أن على ولاة الأمر القيام عليهم وإلزامهم بالصلاة وغيرها من شعائر الإسلام.
    وأما السكن معهم فلا يجوز للإنسان أن يسكن مع مثل هؤلاء، بل عليه أن يناصحهم فإن امتثلوا وإلا فيفارقهم ويلتمس رفقاء غيرهم..) .
    متى تجب مفارقة المنكر؟
    لا شك أن مفارقة المنكر أمر واجب على المستطيع لكن فرق بعض الفقهاء (فيما يتعلق بمفارقة مكان المنكر) بين كون المنكر في مكان لا يلحق من فارقه حرج وضرر ظاهر كناحية في السوق، أو دار صاحب الوليمة إذا وجد فيها شيء من المنكرات – وبين كون المنكر واقع من جار له في المنزل إذا كان يلحقه من الخروج ضرر ظاهر، ككون الدار ملكاً له. فيجوز له البقاء فيه مع متابعة النصح له –والله أعلم- .
    أما من دعي إلى وليمة وهو يعلم أن فيها منكراً لكنه لم يره ولم يسمعه فهل له الجلوس والأكل؟
    قال البهوتي –رحمه الله- (له الجلوس والأكل نصاً، لأن المحرم رؤية المنكر أو سماعه ولم يوجد. وله الانصراف. فيخير لإسقاط الداعي حرمة نفسه بإيجاد المنكر) .
    لكن قد يختلف الحكم إذا كان الرجل ممن يقتدى بمثله والمنكر في تلك الوليمة أو المناسبة مشتهر عند الناس ففي هذه الحالة قد لا يفهم الناس من جلوسه إلا الإقرار فعليه أن يفارق –والله أعلم-.
    هذا ولا يفهم من كون الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر أن ندع بعض الأعمال المشروعة، أو قصد بعض ما يشرع قصده من الأماكن لوجود بعض المنكرات هناك.. فلا يهجر المسجد لكونه مزخرفاً مثلاً، أو كان أهله يسبلون ثيابهم.
    كما إذا اتبعت الجنازة، ثم جاء من يضرب بالدف، أو يظهر النياحة، فلا تدع ما أنت فيه لأجل هذا المنكر.. وقد كان الإمام أحمد –رحمه الله- إذا حضر جنازة ثم ظهر هناك بعض المنكرات لم يرجع عنها ويقول كما قال الحسن لابن سيرين: لا ندع حقاً لباطل .
    المطلب الثالث: فوائد الإنكار بالقلب وثمراته
    1- أنه أقل درجات الإنكار المطلوبة وبه يسلم المرء من العقوبة.
    2- هذا الإنكار القلبي يدل على عدم الرضا بالمنكر وكراهيته والنفور منه، وقد جاء عن عرس بن عميرة الكندي –رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم – قال: ((إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها – وفي رواية – فأنكرها – كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)) . وجاء في حديث أم سلمة –رضي الله عنها- مرفوعاً: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع...)) .
    3- حفظ حيوية القلب وصفائه، فإن القلب يتأثر بكثرة رؤية المنكرات، وقد يألفها إذا لم ينكرها، وتذهب حساسية القلب تجاهها فلا يصير يتألم لرؤيتها.
    4- أن هذا الإنكار القلبي يعني الرفض للمنكر والتربص به، فصاحبه –أي الإنكار بالقلب- عازم على تغييره بمجرد استطاعته. قال سيد – رحمه الله -: وليس هذا موقفاً سلبياً من المنكر – كما يلوح في بادئ الأمر – وتعبير الرسول – صلى الله عليه وسلم بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته.
    فإنكار المنكر بالقلب معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر.. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به.. وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع (المعروف) في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة.. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير.. وهو على كل حال أضعف الإيمان.
    فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان، أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع. ولأن له ضغطاً – قد يكون ساحقاً – فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان، هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل ا.هـ .
    المبحث الخامس: الإنكار بالهجر
    المطلب الأول: تعريف الهجر لغةً وشرعاً
    المطلب الأول: تعريف الهجر لغةً وشرعاً
    قال الجوهري: الهجر: ضد الوصل. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية.
    والتهاجر: التقاطع. والهجرتان: هجرة إلى الحبشة وهجرة إلى المدينة .
    والهجر الشرعي نوعان:
    الأول: بمعنى الترك للمنكرات. ومنه قوله تعالى {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140].
    قال ابن كثير: أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه .
    ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].
    قال القرطبي -رحمه الله-: والخطاب مجرد للنبي صلى الله عليه وسلم وقيل إن المؤمنين داخلون في الخطاب معه وهو الصحيح. فإن العلة سماع الخوض في آيات الله وذلك يشملهم وإياه..
    ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكراً علم أنه لا يقبل منه فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه .
    وورد في حديث جابر بن عبد الله -الطويل- وفيه ((.. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر)) الحديث.
    ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
    ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم –عليه السلام- {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت: 26].
    قال القرطبي: وهو أول من هاجر من أرض الكفر .
    وقال القرطبي أيضاً حول قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25].
    قال علماؤنا: فالفتنة إذا عمت هلك الكل، وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم.. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم .
    الثاني: الهجر على وجه التأديب والعقوبة، وهو هجر أهل المعاصي والمنكرات والمخالفات وهو بمنزلة التعزير، ويفعله إذا رآه أقوى في نفسية الفاعل من التغيير باليد واللسان أو إذا عجز عن التغيير باليد واللسان.
    فإذا أظهر الإنسان المكلف معصيته أو عرف بها وأصر عليها سواء أكانت هذه المعصية فعلية أم قولية أم اعتقادية فمن السنة هجره، فالهاجر يثاب عليه؛ لأنه من أجل الله تعالى.
    وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم كعباً وصاحبيه وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يوماً. وهجر نساءه شهراً. وهجرت عائشة –رضي الله عنها- ابن أختها عبد الله بن الزبير –رضي الله عنهما- مدة.
    ورد عن كعب بن مالك –وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- ((أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين غزوة العسرة وغزوة بدر. قال: فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضحى. وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا. فاجتنب الناس كلامنا. فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلى من أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت الرسول صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلى علي فأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة..)) الحديث.
    فهذا الحديث يثبت هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة والصحابة لهم. ومن ناحية أخرى يثبت كيف كان لهذا الهجر الأثر الكبير في تركهم للمعروف وفعلهم للمنكر في ترك الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الخروج معه.
    وورد أن عائشة –رضي الله عنها- حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: ((والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة. فقالت: والله لا أشفع فيه أبداً ولا أتحنث إلى نذري. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث –وهما من بني زهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى اتسأذنا على عائشة فقالا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم –ولا تعلم أن معهم ابن الزبير- فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه. ويقولان إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد. فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها)) .
    وروي عن الإمام أحمد قال: إذا علم أنه مقيم على معصيته وهو يعلم بذلك لم يأثم إن هو جفاه حتى يرجع وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكراً ولا جفوة من صديق .
    وورد عن سفيان الثوري أنه قال لعلي بن الحسن السليمي:
    إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك أهل الدنيا وأهل الحرص وإخوان الشياطين الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله، وإياك وما يفسد عليك دينك فإنما يفسد عليك دينك مجالسة ذوي الألسن المكثرين للكلام، وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك أهل الحرص وأهل الشهوات، وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تصحب الفاجر ولا تجالسه ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله ولا تؤاكل من يؤاكله ولا تحب من يحبه، ولا تفشي إليه سرك ولا تبتسم في وجهه ولا توسع له في مجلسك فإن فعلت شيئاً من ذلك فقد قطعت عرى الإسلام. وإياك وأبواب السلطان وأبواب من يأتي أبوابهم وأبواب من يهوى هواهم، فإن فتنتهم مثل فتنة الدجال... .
    فمن خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والآثار يتبين لنا مشروعية الهجر، وأنه سنة يثاب عليها الإنسان إذا كان ذلك لله تعالى.
    المطلب الثاني: أنواع الهجر
    النوع الأول: الهجر كلية. ويكون ذلك للكفار فلا يجالسهم ولا يسلم عليهم ولا يؤاكلهم ولا يشاربهم فلا علاقة معهم مطلقاً.
    يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
    ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} [الممتحنة: 1].
    ويقول تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] الآية.
    وغير ذلك من النصوص التي تفيد وجوب هجر الكفار وتركهم وعدم محبتهم مهما كانوا، حتى ولو كانوا من الأقربين.
    النوع الثاني: هجر كلي لمدة مؤقتة كشهر أو شهرين أو أقل أو أكثر حسب ما تقتضيه مصلحة صلاحه. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته مع الثلاثة الذين خلفوا.
    ولما ورد في حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم على بعض ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 78-81] إلى قوله {فاسقون})) .
    فهؤلاء ذمهم الله تعالى رغم أنهم أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ولكن لما أصروا على فعلهم لم يهجروهم بل آكلوهم وشاربوهم ولذلك عاتبهم الله.
    النوع الثالث: هجر جزئي كأن يهجره في بعض جوانب التعامل فقط.
    مثل هجر الزوجة في المنام فقط لتأديبها.
    يقول تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [النساء: 34].
    والهجر: أن يوليها ظهره فلا ينام معها في فراش أو تحت لحاف واحد .
    وفي المسند عن حكيم بن معاوية عن أبيه في حديثه الطويل قلت:
    ((ما حق زوجة أحدنا عليه قال: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت)) . الحديث.
    المطلب الثالث: أقسام الناس بالنسبة للهجر
    تختلف منزلة الناس من حيث المعصية فبعضهم كافر أو يصل إلى درجة الكفر، وبعضهم مبتدع وبعضهم عاص أو مخالف، إلى غير ذلك من هذه الأنواع، فالمسلم يجب أن يكون موقفه منهم بحسب معصيتهم، وسوف نورد أقسام الناس من حيث المعصية على النحو التالي:
    القسم الأول: الكافر: فهذا يقاطع بالكلية وقد تحدثنا عن ذلك وذكرنا الأدلة عليه.
    القسم الثاني: مبتدع: والمبتدع ينقسم إلى قسمين:
    أ- مبتدع يدعو إلى بدعته، فهذا يجب هجره ومقاطعته.
    قال الإمام أحمد –رحمه الله-: ويجب هجر من كفر أو فسق ببدعة أو دعا إلى بدعة مضلة أو مفسقة على من عجز عن الرد عليه أو خاف الاغترار به دون غيره، وقيل: يجب هجره مطلقاً وهو ظاهر كلام الإمام أحمد -رضي الله عنه- السابق. وقطع ابن عقيل به في معتقده قال: ليكون ذلك كسراً له واستصلاحاً .
    وقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه؟ قال: لا وإن سلم لا يرد عليه .
    وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تفيد ذلك منهما:
    ما رواه جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله. إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم، وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم)) .
    وروى الإمام أحمد بسنده عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم)) .
    وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية)) .
    وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال..)) الحديث.
    وفي رواية لأبي داود أيضاً ((وإن ماتوا فلا تشهدوهم)) .
    فهذه الأحاديث تفيد مقاطعة أهل البدع والضلالات والأهواء الذين يدعون إليها ويصرون عليها.
    ب- المبتدع العامي: وهو الجاهل بالبدعة التي اعتنقها فمثل هذا لا يقاطع بل يتابع ويبين له الحق ويوضح له بالسبل المناسبة لتفكيره فربما كانت عودته سهلة؛ لأن ميول الجاهل في الغالب عاطفية. وإن أصر للمرة الأولى والثانية فتواصل معه المحاولة فلعله يرجع وإن أصر بعد ذلك فيتبع بهم الهجر.
    قال الغزالي: المبتدع العامي الذي لا يقدر على الدعوة ولا يخاف الاقتداء به فأمره أهون فالأولى أن لا يقابح بالتغليظ والإهانة، بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام سريعة التقلب. فإن لم ينفع النصح وكان الإعراض عنه تقبيحاً لبدعته، تأكد الاستحباب في الإعراض .
    3- القسم الثالث: مرتكب الكبيرة: فهذا يهجر حتى يدع تلك الكبيرة، ويكون هجره كلياً من قبل الشخص أو الأشخاص الذين يعلمون بفعله.
    4- القسم الرابع: مرتكب الصغيرة ويكون هجره جزئياً في بعض جوانب الحياة.
    5- القسم الخامس: هجر المجتهد المخطئ في اجتهاده كأن يفعل أمراً يعلم أنه مخطئ فيه ولكن خوفه من السلطان جعله يتأول أو يعرض وينجو من السلطان وقد هجر الإمام أحمد -رضي الله عنه- جماعة ممن أجابوا في المحنة مثل يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما مع فخامة شأنهم .
    المطلب الرابع: الهجر المحرم
    الهجر من الأمور الكبيرة. لذلك لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه المسلم إلا إذا تبين بحق أنه يستحق الهجر. وأما إذا كان مسلماً عدلاً في اعتقاده وأقواله وأفعاله، فإنه لا يجوز هجره بحال.
    وقد جاء النهي عن ذلك صريحاً في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها:
    ما رواه أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) .
    ورواه مسلم بنفس اللفظ وزاد في رواية ((فيصد هذا ويصد هذا)) وفي رواية أخرى ((ثلاثة أيام)) .
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا. أنظروا هذين حتى يصطلحا وفي رواية إلا المتهاجرين)) .
    فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في تحريم الهجر إذا لم يكن له مبرر شرعي.
    فعلى المسلمين أن يأتمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر فيما يحل ويحرم.
    فباب الهجر عظيم. فهو الذي يبين قوة الإيمان من ضعفه.
    المبحث السادس: التغيير على الملوك والأمراء
    تمهيد
    مما لا شك فيه أن في صلاح الراعي صلاحاً للرعية، حيث إن للراعي سلطة وقوة ونفوذاً ليست بيد أحد من أفراد الرعية.
    وإذا كان المسؤول عن معظم الطوائف والجماعات والفئات صالحاً انعكس صلاحه على من تحته فما بالك بالسلطان.
    لذا فإنه ينبغي أن لا يتولى أمور المسلمين إلا من هو أهل لذلك ممن يتصف بالتقوى والخوف من الله تعالى ومراقبته والقوة في الرأي والسداد والحكمة في المنطق، ولكن قد يتولى على المسلمين من ليس أهلاً لذلك فيذعن المسلمون له وللأمر الواقع نظراً لما يترتب على ذلك من جلب المصالح ودفع المفاسد.
    ولكن على أي الحالين فلابد أن يسعى العلماء والمصلحون إلى بذل جميع الأسباب إلى إصلاح الراعي وتذكيره ونصحه، والسعي لإصلاح من حوله. انطلاقاً من توجيهات الشرع. يقول صلى الله عليه وسلم ((الدين النصيحة –ثلاثاً- قلنا لمن يا رسول الله قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)) .
    المطلب الأول: أدلة الإنكار على السلطان
    ورد عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: ((بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم)) .
    وعن طارق بن شهاب أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز، أي الجهاد أفضل؟ قال: ((كلمة حق عند سلطان جائر)) .
    وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمر الله عليه فيه مقال ثم لا يقوله فيقول الله: ما منعك أن تقول فيه فيقول: رب خشيت الناس فيقول: وأنا أحق أن يخشى)) .
    فهذه النصوص وغيرها من الأحاديث تبين الوقوف أمام السلاطين، وقول كلمة الحق عندهم، وأنه إذا حصل لهم شيء يكرهونه بسبب هذا الأمر فهو في ذات الله وهم مأجورون عليه.
    المطلب الثاني: كيفية الإنكار على السلطان
    إذا كان المحتسب عليه من الولاة الذين يحكمون بشرع الله فإن لأهل السنة منهجاً في التعامل معهم.. فلا يرون التشهير بهم على المنابر والمجامع العامة لما يوقع ذلك من الفتنة.. وقد قيل لأسامة بن زيد –رضي الله عنه- (ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟! فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم!! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه) . وفي لفظ للبخاري: (إنكم لترون أني لا أكلمه! إلا أسمعكم؟! إني أكلمه في السر...) .
    وقال ابن أبي عاصم (باب كيف نصيحة الرعية للولاة) ثم أخرج بسنده عن شريح بن عبيد قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم: ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه وإلا كان قد أدى ما عليه)) .
    وأخرج أحمد بسنده عن سعيد بن جهمان قال: (أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه.. قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جهمان عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبره بما تعلم فإن قبل منك وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه) وقد كان الإمام أحمد –رحمه الله- لا يحدث بالأحاديث التي توهم بجواز الخروج على الأئمة.
    وقال ابن القيم –رحمه الله-: (ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ، وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به حيث لا يشعر به غيره) ا.هـ .
    وقال النووي عند كلامه على حديث أسامة: (يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ كما جرى لقتلة عثمان –رضي الله عنه- وفيه الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سراً وتبليغهم ما يقوله الناس فيهم لينكفوا عنه.
    وهذا كله إذا أمكن ذلك، فإن لم يكن الوعظ سراً والإنكار، فليفعله علانية لئلا يضيع أصل الحق) ا.هـ.
    ولا يفهم من هذا ترك إنكار المنكرات المتفشية.. رسمية كانت أو غير رسمية.. كما لا يعني هذا عدم فضح خطط الفساد والمفسدين.. وكشف أحابيلهم ومكائدهم.
    أما الولاة الذين لا يحكمون بالشرع ويحاربون الإسلام وأهله فإن لكل حالة لبوسا.
    ... إليك بعض النماذج مما حفظه لنا التاريخ من إنكار أهل العلم ومن سلك سبيلهم على ذوي النفوذ من السلاطين وأعوانهم:
    النموذج الأول: خبر أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- مع مروان حينما أراد مروان أن يخطب يوم العيد قبل الصلاة. والقصة مشهورة.
    النموذج الثاني: نقل ابن كثير –رحمه الله- أن الحجاج خطب يوماً فقال: (إن ابن الزبير غير كتاب الله. فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه، ولو شئت أقول: كذبت لفعلت) .
    النموذج الثالث: قام ابن عمر إلى الحجاج وهو يخطب فقال: يا عدو الله! استحل حرم الله، وخرب بيت الله، فقال: يا شيخاً قد خرف فلما صدر الناس أمر الحجاج بعض مسودته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر فمرض ومات منها ودخل عليه الحجاج عائداً فسلم فلم يرد عليه وكلمه فلم يجبه .
    النموذج الرابع: جاء في ((البداية والنهاية)): أن الحجاج أطال الخطبة، فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة، مراراً. ثم قام فأقام الصلاة، فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجيء للصلاة، فصل الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه .
    النموذج الخامس: ما أخرجه البخاري في صحيحه عن يوسف بن ماهك قال: (كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي} [الأحقاف: 17]. فقالت عائشة من وراء حجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري) .
    وقد جاءت مقالة عبد الرحمن مفسرة في بعض الروايات ففي بعضها: (ما هي إلا هرقلية) وفي رواية (سنة هرقل وقيصر) بعد أن قال مروان: (سنة أبي بكر وعمر) وفي رواية: (أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم؟) وفي رواية (هرقلية؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا في أهل بيته..) قال ذلك بعد أن قال مروان: (إن يستخلف فقد استخلف أبو بكر وعمر) .
    المبحث السابع: تغيير الابن على والده
    لقد جعل الله سبحانه وتعالى للوالدين حقوقاً كثيرة وكبيرة فمهما عمل الولد تجاه والديه فإنه لا يعتبر موفياً حقوقهما بل ولا جزءاً منها.
    والدليل على ذلك أن الله –سبحانه وتعالى- قرن طاعته بطاعتهم قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].
    قال القرطبي –رحمه الله- أمر الله –سبحانه- بعبادته وتوحيده وجعل بر الوالدين مقروناً بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: 14] وقال: والبر بهما والإحسان إليهما أن لا يتعرض لسبهما ولا يعقهما فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف .
    وقد ورد في صحيح البخاري أن عبد الله سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ فقال: ((الصلاة على وقتها. قال ثم أي؟ قال: بر الوالدين)) الحديث.
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك)) .
    وعن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله حرم عقوق الأمهات)) الحديث.
    وعن أبي بكرة عن أبيه –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين..)) الحديث.
    فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على عظمة حقوق الوالدين، فقبل أن يقدم على أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر عليه أن يضع قاعدة طاعتهما وحقوقهما نصب عينيه.
    وكون لهما هذه الحقوق العظيمة فإن ذلك لا يعني ولا يمنع من أن يأمرهما بالمعروف وينهاهما عن المنكر، فهما من جملة من أمر الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، إلا أنه بناء على الحقوق التي جعلها الله لهما فإنه يجب أن يكون هناك أسلوب خاص عند أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر.
    فعلى المحتسب أن يراعي عند الاحتساب على الوالدين زيادة الرفق بهما والتلطف لهما.. وأن لا يتعدى ذلك إلى الشتم أو الضرب مثلاً .
    سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل له والدة تسيء الصلاة والوضوء؟
    قال: يأمرها ويعلمها، قال: تأبى أن يعلمها، تقول: أنا أكبر منك تعلمني! قال فترى له أن يهجرها أو يضربها على ذلك؟ قال: لا، ولكن يعلمها ويقول لها، وجعل يأمره أن يأمرها بالرفق .
    هذا وإن على المحتسب على الوالدين ملاحظة أمرين:
    الأول: أن يفرق بين ما إذا كان المنكر متعلقاً بشخص أحد الوالدين فإنه ليس له ضربه ولا تقبيحه.
    الثاني: إن كان المنكر غير متعلق بشخصهما، وإنما كان تعلقه بالدار أو المال أو المركب، ففي هذه الحال عليه أن ينظر إلى نوع هذا المنكر وحجمه ومدى أثره وإثمه، بالإضافة إلى النظر إلى ما يترتب على إزالته له من سخط الوالد أو الوالدة.. فإن كان لا يترتب على إزالته مفسدة أعظم، أزاله وإلا فلا.
    ومثل هذا يقال في احتساب الزوجة على زوجها، والعبد مع سيده، بخلاف التلميذ مع شيخه فإنه يعامله بموجب علمه لأنه لا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه .
    وهذا الإحسان والرفق مطلوب حتى مع الأبوين الكافرين كما قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15]. مع مراعاة أصل الولاء والبراء.
    المبحث الثامن: إنكار الوالدين على الولد
    المطلب الأول: إنكار الوالد على أولاده
    أما إنكار الوالد على الولد فهو من الأمور التي نص عليها الشرع وأكد عليها.
    يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
    يقول الزمخشري: {قوا أنفسكم} بترك المعاصي وفعل الطاعات. بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم .
    ويقول سيد قطب –رحمه الله- حول هذه الآية: (إنها تبعة المؤمن في نفسه وفي أهله ثقيلة رهيبة. فالنار هناك وهو متعرض لها هو وأهله وعليه أن يحول دون نفسه وأهله ودون هذه النار التي تنتظر هناك...) .
    فهذا أمر من الله تعالى يتضمن معنى النصيحة بأن يبذل الإنسان جهده في إصلاحه نفسه وأهله حتى يحول صلاحه نفسه وأهله دون النار.
    وورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) .
    فهذا الحديث العظيم يبين مسؤولية الرجل تجاه أولاده بل تجاه أسرته.
    وورد عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لأن يؤدب الرجل ولده خير من أن يتصدق بصاع)) .
    وجاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن)) .
    وروى أبو داود في سننه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها)) .
    وفي رواية ((مروا أولادكم بالصلاة...)) .
    فهذه الأحاديث كلها تبين مسؤولية الوالد تجاه أبنائه فعليه أن يتقي الله ويحسن تربيتهم، فهي أمانة في عنقه وعليه أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ومن أهم المعروف ربطهم بالمساجد وحلق الذكر وتعليم القرآن وربطهم بالشباب الصالح الأتقياء الذين يدلونهم على كل خير ويحذرونهم من كل شر.
    وعليه أن ينهاهم عن المنكر. ومن أعظم المنكرات اتصالهم بالشباب الفاسد المنحرف الذين يدلونهم على كل شر ويبعدونهم من كل خير.
    المطلب الثاني: إنكار الأم على أولادها
    ولا ننسى أن للمرأة دوراً كبيراً في تربية أولادها، وحتى مع وجود والدهم؛ لأن المرأة جالسة في البيت طيلة الوقت بخلاف الرجل فهي تعرف أموراً لا يعرفها الرجل، فعليها أن تتقي الله وتحسن تربية أولادها وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتنفذ خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي خاطبها به بقوله: ((والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم)) .
    فهذا نص صريح من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن المرأة مسؤولة عن تربية أولادها وإصلاحهم.
    يقول أبو بكر الجصاص حول قول الله تعالى عن أم مريم –عليها السلام-: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [آل عمران: 35].
    يقول: يدل على أن للأم ضرباً من الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته، لو أنها لا تملك ذلك لما نذرت في ولدها .
    المبحث التاسع: تغيير الزوجة على زوجها
    تغيير الزوج على الزوجة واضح الدلالة في الكتاب والسنة. وهو مقبول شرعاً وعقلاً للقوامة التي جعلها الله للرجل على المرأة.
    يقول تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء: 34].
    يقول الجصاص: (قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة) .
    ولكن الذي يحتاج إلى توضيح هو (تغيير الزوجة على الزوج) فنقول: كثيراً من الزوجات تبلى بزوج غير صالح، فإما أن يكون من التاركين لصلاة الجماعة أو الصلاة كلية وقد يكون مبتلى بشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك.
    فما هو موقف الزوجة من ذلك؟
    لا شك أن الزوجات يختلفن –أيضاً- كالرجال صلاحاً وفساداً قوة وضعفا، فبعض النساء تكون مستسلمة لزوجها العاصي وحتى لو كانت صالحة فهي ساكتة عنه تراه يفعل المنكرات صباح مساء ولا تنكر عليه، بل ربما كانت تهيئ له الجو لفعل ذلك.
    وبعضهن تنكر تارة وتسكت أخرى وتغضب تارة وترضى بعدها.
    والواجب على كل زوجة أن تتقي الله تعالى وتعرف أنها مسؤولة عن إصلاح زوجها بقدر المستطاع. فتنظر إلى المنكرات التي يفعلها زوجها فإن كانت صغائر أو غير مكفرة تحاول معه وتكثر المحاولة وتستخدم الأساليب الجيدة التي تراها تناسب زوجها وينقاد معها فيها وكل امرأة أعرف بظروف زوجها، وأما إذا كانت المنكرات مكفرة كترك الصلاة كلية فعليها أن تبين أحكام الصلاة له وحكم تاركها وتبين أن العلاقات الزوجية لا تصلح معه دون الصلاة وتحاول مرة بعد مرة فإن أصر استعانت بأهلها وأهله، فإن أصر على ذلك فلها الحق أن تطلب الطلاق. والشرع يطلقها منه ولو لم يرض إذا ثبت فعلاً أنه لا يصلي البتة.
    وفي الغالب إذا كانت المرأة حكيمة وقوية في نفس الوقت وقد ملأت قلب الرجل حباً في إخلاصها ووفائها وخوفها من ربها وطاعتها فإنه لا يعصي لها أمراً. فعليها أن تقوم بما يجب حياله حتى تكون مسموعة الكلمة.
    المبحث العاشر: شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    الشبهة الأولى: وجوب ترك الاحتساب بحجة تعارضه مع الحرية الشخصية
    يقول بعض الناس:
    يجب علينا أن نترك الناس وشأنهم ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة بأمرهم بالمعروف الذي لا يرغبون في فعله، ونهيهم عن المنكر الذي يرغبون فيه، لأن هذا يتعارض مع (الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام).
    ويستدل هؤلاء على صحة رأيهم بقوله عز وجل: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
    كشف النقاب عن حقيقة هذه الشبهة:
    سنبين بعون الله تعالى حقيقة هذه الشبهة ضمن العناوين التالية:
    1- عدم وجود (الحرية الشخصية) المزعومة.
    2- المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية.
    3- الخطأ في فهم الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.
    4- ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة.
    5- قيام الرسول صلى الله عليه وسلم بالاحتساب.
    6- تشريع الحدود والتعزيزات ينقض الشبهة.
    أولاً: عدم وجود (الحرية الشخصية) المزعومة:
    لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: أين تلك (الحرية الشخصية) المزعومة؟. أفي مشارق الأرض أم في مغاربها؟ هل وجدتموها في أنظمة شرقية أم في أنظمة غربية؟ كلا، لا عند هؤلاء، ولا عند أولئك. يطالب المرء بالخضوع والامتثال لقواعد وأنظمة على رغم أنفه حيثما حل وارتحل.
    هل يسمح لأحد في الشرق أو الغرب أن يعبر التقاطع والإشارة حمراء؟ هل يعطي في الغرب لأحد حق بناء بيت بماله الذي اكتسبه بكد جبينه على الأرض التي اشتراها بخالص ماله كيفما شاء من غير مراعاة الضوابط التي وضعتها أمانة تلك المدينة التي هو فيها؟ والأمر في الشرق أدهى وأمر، ليس له أن يملك بيتا.



  6. #306
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    ثانيا: المفهوم الإسلامي للحرية الشخصية:
    الحرية الشخصية التي منحها الإسلام للعباد هي أنه أخرج العباد من عبودية العباد، ولا يعني هذا إخراجهم من عبودية رب العباد. ما أحسن ما عبر القرآن الكريم عن هذا:
    {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزُّمر: 29].
    فالمطلوب في الإسلام أن يتحرر العبد من كل من سوى الله ويصير عبداً منقاداً مطيعاً مستسلما لله الواحد الخالق المالك المدبر. وهذا ما عبر عنه سيدنا ربعي بن عامر رضي الله عنه مجيباً على سؤال رستم بقوله:
    (الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله) .
    ومن النصوص التي تدل على أن المؤمنين مطالبون بالاستسلام لله تعالى والعمل بجميع أوامره وترك جميع نواهيه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة: 208].
    يقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى آمراً عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك) .
    وبين المولى عز وجل أنه لا يبقى لمؤمن ولا مؤمنة أدنى خيار بعد مجيء أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
    وصور لنا السميع البصير مبادرة المؤمنين إلى امتثال أوامره وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول عز من قائل: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [النور: 51].
    فأين أصحاب (الحرية الشخصية) المزعومة من أولئك؟
    ثالثا: الخطأ في فهم الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}:
    ليس معنى الآية بأن للناس كلهم فعل ما يشاؤون وترك ما يشاؤون، وليس لأحد إلزامهم على فعل الخير الذي تركوه أو اجتناب الشر الذي فعلوه، بل المراد بالآية – والله أعلم بالصواب – كما يقول الحافظ ابن كثير: (أي لا تكرهوا أحد على الدخول في الإسلام) .
    وحتى هذا ليس لغير المسلمين كلهم بل رجح كثير من المفسرين بأن هذا الحكم خاص بأهل الكتاب ومن شابههم. وأما عبدة الأوثان من مشركي العرب ومن شابههم فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتال معهم. وفي هذا يقول الإمام ابن جرير الطبري بعد نقله أقوالاً مختلفة في تفسير الآية: (وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس – وقال: عني بقوله تعالى ذكره: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه) .
    ثم يقول مبينا سبب ترجيح هذا القول: (وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره على الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبد الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره، على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم) .
    قد آن لنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: أيهود أنتم أو نصارى، فيكتفى بقبول الجزية منكم، فلا يأمركم أحد بمعروف تتركونه ولا ينهاكم عن منكر تفعلونه؟
    رابعاً: ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة:
    إن هؤلاء أخذوا آية واحدة وحاولوا تأويلها وفق أهوائهم, وتجاهلوا تلك النصوص الكثيرة الصريحة الواضحة التي لا تترك مجالاً للشك والتردد في فرضية الحسبة. أين هؤلاء من تلك النصوص التي وردت فيها صيغة أمر للقيام بالاحتساب، وصيغة نهي للمنع عن تركه؟ وذلك مثل قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم)) . ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يمنعن رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه)) .
    وكيف يؤول هؤلاء النصوص التي قرن الإيمان فيها بالاحتساب، فحكم فيها بقوة الإيمان وضعفه مع قوة الاحتساب وضعفه؟ وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) .
    وبماذا يفسر هؤلاء تلك النصوص التي تجعل (التواصي بالحق) من شروط نيل الفوز والفلاح؟ وذلك مثل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].
    وكيف يتجرأ هؤلاء على تحريف النصوص التي وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيهما بالعذاب على ترك الاحتساب؟ وذلك مثل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الأنفال: 25].
    ألا يستحي هؤلاء من تكذيب ما أخبر به من هو أكبر شيء شهادة وأصدق قيلاً عن نزول اللعنة على ترك الاحتساب؟ وذلك في قوله عز من قائل: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79].
    أليس في هذا وذاك ما يمنع هؤلاء من القول: (إن الاحتساب يتعارض مع الحرية الشخصية الثابتة في الإسلام؟) فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟
    خامسا: قيام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالاحتساب:
    لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: على من أنزلت الآية: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}؟ أعليكم أنزلت أم على سيد الأولين والآخرين, إمام الأنبياء وقائد المرسلين صلى الله عليه وسلم؟ أأنتم أعلم بمرادها أم هو الذي أسند إليه أمر بيان المنزل؟ يقول تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
    وهل أمر عليه الصلاة والسلام الناس بالمعروف, ونهاهم عن المنكر, أم تركهم وشأنهم مراعياً مبدأ الحرية الشخصية المخترعة؟ لقد قام صلى الله عليه وسلم بالاحتساب في البيت والشارع، وفي المسجد والسوق، وفي الحضر والسفر، وفي الحرب والسلم. ويغنينا في هذا المقام عن ذكر أمثلة احتسابه وصف أصدق القائلين اللطيف الخبير له بقوله: {يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ} [الأعراف: 157].
    ونستفسر أصحاب هذه الشبهة أيضاً: أمرنا باقتداء من؟ أأمرنا باقتداء من اتخذ إلهه هواه؟ أم أمرنا بالتأسي بمن كان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟ تعالوا، فلنقرأ جميعاً قول الباري سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
    سادساً: تشريع الحدود والتعزيرات ينقض هذه الشبهة:
    ماذا سيكون موقف هؤلاء من الحدود والتعزيرات التي شرعت لمعاقبة مرتكبي بعض الجرائم؟ أيردون تلك النصوص الثابتة الصريحة التي جاء فيها بيانها؟
    ومن تلك النصوص – على سبيل المثال – ما جاء فيها من عقوبة الزاني: ((البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)) .
    وما جاء فيها عمن تزوج امرأة أبيه عن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: ((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه، وأصفي ماله)) .
    وما جاء عمن عمل عمل قوم لوط عليه السلام: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)) .
    وما بينه الناطق بالوحي الأمين الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن حكم من ارتد عن الإسلام بقوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) .
    ولو كان لمبدأ الحرية الشخصية المختلفة أساس في الإسلام كما يدعي أولئك ما كان مرتكبو هذه الجرائم ليجلدوا ويغربوا, أو يجلدوا ويرجموا، أو يقتلوا، وكان لهم أن يحتجوا: (هذا ما يخصنا نحن، وليس لأحد حق التدخل في شؤوننا الخاصة).
    بهذا يتضح بعون الله تعالى بطلان رأي من قال بترك الاحتساب بحجة منافاته للحرية الشخصية.
    الشبهة الثالثة: (ترك الحسبة بسبب التقصير والنقص)
    يقول بعض الناس: (حيث لا نقوم بكل ما أمرنا به ولا نجتنب كل ما نهينا عنه، لذا يجب علينا أن نهتم بأنفسنا بدل أمر الآخرين بالمعروف ونهيهم عن المنكر).
    واحتج أصحاب هذا القول بالمنقول والمعقول.
    أما المنقول فقالوا: ذم الله تعالى من أمر الناس بالمعروف ونسي نفسه، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.
    كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء عاقبة هؤلاء. فقد روى الإمام البخاري عن أسامة رضي الله عنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يجاء بالرجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان!، ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله)) .
    وأما المعقول فقالوا: فاقد الشيء لا يعطيه. من يستجيب لمن يأمر بمعروف ولا يأتيه، وينهى عن منكر ويأتيه؟
    الرد على هذه الشبهة:...
    1- سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف.
    2- ترك أحد الواجبين ليس مبرراً لترك الواجب الثاني.
    3- الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب.
    4- عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم.
    أولا: سبب الذم هو: ترك المعروف وليس الأمر بالمعروف:
    هناك واجبان:
    1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    2- فعل المعروف وترك المنكر.
    وإن النصوص التي احتج بها أصحاب هذه الشبهة ليس فيها ذم بسبب القيام بالواجب الأول بل ذم بسبب ترك القيام بالواجب الثاني. لم ينكر فيها بسبب أمر الناس بالبر، ونهيهم عن المنكر، والتلفظ بالقول الطيب، بل إنما أنكر فيها بسبب نسيان الأنفس، وترك المعروف وارتكاب المنكر، وعدم الفعل وفق القول الطيب.
    فعلى سبيل المثال هناك طالب نجح في مادة (التفسير) ورسب في مادة (الحديث) هل يعقل توجيه اللوم بسبب النجاح في مادة التفسير؟ إنما يلام بسبب رسوبه في مادة الحديث.
    هذا، وقد صرح كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن التوبيخ في تلك النصوص بسبب ترك المعروف وليس بسبب الأمر بالمعروف. فعلى سبيل المثال يقول الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ...} [البقرة: 44] الآية: (اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر) .
    ويقول الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: (وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له) .
    ثانيا: ترك أحد الواجبين ليس مبرراً لترك الواجب الثاني:
    إن الواجبين اللذين ذكرناهما ليس أحدهما شرطا للثاني فيكون ترك أحدهما مبرراً لترك الثاني. وهذا أمر واضح ندركه في كثير من الأمور. هل نقول لمن يحافظ على الصلوات ولا يصوم أن تركه الصوم مبرر لتركه الصلوات؟ وقد بين كثير من العلماء هذا الأمر. فعلى سبيل المثال يقول الإمام أبو بكر الجصاص: (وجب أن لا يختلف في لزمه البر والفاجر، لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضاً غيره. ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات، فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه) .
    وبينه الإمام النووي بأسلوب آخر فقال: (قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسا بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخرة) .
    ثالثا: الأخذ بهذا القول يؤدي إلى تعطيل الاحتساب:
    لو اشترطنا للأمر والناهي أن يكون فاعلاً لكل ما أمر به ومجتنباً كل ما نهي عنه لن نجد من يقوم بالاحتساب، وبهذا يتعطل هذا الواجب العظيم. وقد نبه علماء الأمة –جزاهم الله تعالى خيرا- إلى هذا الأمر، فقد قال سعيد بن جبير: (لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف بمعروف ولا نهى عن منكر) .
    وقال الإمام مالك تعليقاً على قوله: (وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟) .
    وذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبد الله: (عظ أصحابك). فقال: (إني أخاف أن أقول ما لا أفعل)، قال: (يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر) .
    وبين هذا الإمام الطبري حيث يقول: (وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره) .
    رابعاً: عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم:
    لا شك أن دعوة الكامل أشد وقعاً في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائما غير صحيح.
    كم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم. لم يستجب لنداء رسول الله نوح عليه السلام ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته، كما لم يحول نصح أكمل خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم ووعظه عمه أبا طالب إلى الإسلام.
    وكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن به أحد.
    وعلى عكس هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة – المخالفين لأقوالهم بأفعالهم – نرى لهم أتباعا كثيرين! وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصاراً كثيرين مع أنهم من أشد الناس انتهاكاً لحرمته وحريته! وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب – على حسب زعمهم – ولهم أتباع كثيرون رغم كونهم من أكثر الناس هضماً لحقوقهم!
    فخلاصة القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصر حيث لا يفيد فيه من هو أحسن منه حالاً.
    تنبيه:
    لا يفهم بما ذكر بأننا لا نرى بأسا من ترك المعروف وفعل المنكر للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، بل نؤكد أنه يجب عليه فعل المعروف وترك المنكر، وأنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عند التساهل في هذا. ونقرر أيضاً بأنه ينبغي أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه كما كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
    غاية ما في الأمر أن فعل المعروف وترك المنكر ليس شرطاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يقال لمن أمر بالمعروف ولم يفعله أو نهى عن المنكر وفعله: (لا تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر)، بل نقول له: (استمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتق الله تعالى في نفسك فمرها بالمعروف وانهها عن المنكر). والله تعالى أعلم بالصواب.
    الشبهة الرابعة: (ترك الاحتساب خشية الوقوع في الفتنة)
    يقول بعض الناس: (لا نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأننا نخشى الوقوع في الفتنة بسبب ذلك).
    كشف حقيقة هذه الشبهة:...
    1- ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة.
    2- مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة.
    3- تعارض هذا القول مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم.
    4- منافاة هذا القول لسيرة الأنبياء والصالحين.
    5- تنبيه.
    أولا: ترك الاحتساب هو الذي يعرض العبد للفتنة:
    لنا أن نسأل أصحاب هذا القول: هل سلمتم من الفتنة بترككم الاحتساب أم أنكم وقعتم فيها؟
    تؤكد نصوص الكتاب والسنة أن ترك الاحتساب يعرض العبد للفتنة. ومن تلك النصوص قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الأنفال: 25].
    يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: (أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم) .
    ومنها ما رواه الإمام الطبراني عن العرس بن عميرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره، ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة)) .
    ومنها ما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تودع منهم)) .
    يقول القاضي عياض في شرح الحديث: (أصله من التوديع، وهو الترك، وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرب).
    ولا يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً...} الآية. (واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر) .
    ثانياً: مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة:
    مما يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس عند تخلفه عن غزوة تبوك، فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله وذمه في آيات تتلى إلى الأبد. فقد ذكر الإمام الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذات يوم وهو في جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمة: ((هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟
    فقال: يا رسول الله! أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله! لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن.
    فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك)) .
    ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكَافِرِينَ} [التوبة: 49].
    ثم يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: (أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم) .
    وهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد، قد وقع في فتنة كبرى، ألا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.
    ثالثاً: تعارض هذا القول مع وصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
    يتنافى هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أصحابه من قول الحق، وأن لا يخافوا في الله لومة لائم، وأن لا يمنعهم خوف على النفس, أو الرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن تلك الأحاديث – على سبيل المثال – ما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمنعن رجلاً منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه)) .
    وفي رواية أخرى: ((فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم)) .
    فأين أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها؟
    رابعاً: منافاة هذا القول لسيرة الأنبياء والصالحين:
    أين أصحاب هذه الشبهة من سيرة الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عذبوا، وأخرجوا من ديارهم، وقوتلوا، وقتلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم – بفضل الله تعالى – بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب –رضي الله عنه- ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله؟)) .
    تنبيه:
    لا يفهم مما كتبنا أنه لا ينظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يعبأ به، بل إن هذا سيحسب له حسابه. فإن كانت المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة لا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك، وإن كانت المصلحة المرجوة أعظم من المفسدة يجب عليه أن يقوم بالاحتساب إذاً. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كانت قد ترك واجب وفعل محرم) .
    لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل – كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – (هو بميزان الشريعة) .
    ولا يعني كلامنا أيضاً أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة. إن الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعاً من الاحتساب، ولكن أخذ الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف. وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: (ولا نترك الدعوة إلى الخير ولا الجهاد دونه خوفاً على أنفسنا حرصاً على الحياة الدنيا، ولا نفرط بأنفسنا في أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة ولا حمايتها عليه. وقد يكون أكثر ما يصيب الداعي إلى الخير من الأذى ناشئاً عن طريقة الدعوة وكيفية سوقها إلى المدعو، لاسيما إذا كان مسلماً، وكانت الدعوة مؤيدة بالكتاب والسنة) .
    والله أعلم بالصواب.
    الشبهة الخامسة: (ترك الاحتساب بسبب عدم استجابة الناس)
    يقول بعض الناس: (ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون).
    بيان حقيقة هذه الشبهة:...
    1- لا يشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس.
    2- الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية.
    3- وجوب التأسي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.
    أولا: لا يشترط لوجوب الاحتساب قبول الناس:
    لم يشترط الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استجابة الناس، بل أوجب الله تعالى على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى أمته تبليغ الناس أوامره ونواهيه سواء استجابوا أم لم يستجيبوا. وقد وردت نصوص كثيرة تبين هذا. منها على سبيل المثال قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ} [النور:54].
    ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ} [آل عمران: 20].
    ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ} [المائدة: 92].
    ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ المُبِينُ} [النحل: 82].
    ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلَاغُ المُبِينُ} [التغابن: 12].
    ومنها قوله تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا البَلَاغُ المُبِينُ} [النحل: 35].
    ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} [هود: 57].
    ومنها قوله تعالى: {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَعَلَيْنَا الحِسَابُ} [الرعد: 40].
    ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
    ومنها قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 21-22].
    فمهمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهكذا مهمة أمته أن يبلغوا الناس أوامر الله تعالى ونواهيه ويذكروهم سواء استجابوا أم لم يستجيبوا ولا عذر لهم عند الله لترك هذه المهمة الجليلة بسبب إعراض الناس عنهم. وفي هذا الصدد يقول الإمام النووي: (وقال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين). وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول، وكما قال الله عز وجل: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ} .
    ومما يؤكد هذا ما قصه الله تعالى عن أصحاب السبت حيث استمر الصالحون في نهي العصاة عن التحايل للصيد يوم السبت، ولم يتركوا الاحتساب بسبب عدم استجابة العصاة، بل صرحوا أنهم يقصدون من وراء احتسابهم أمرين:
    أ- أن يقبل عذرهم عند الله تعالى.
    ب- لعل العصاة يستجيبون فيتركون التحايل ويتوبون إلى الله تعالى.
    يقول سبحانه وتعالى عن قصتهم: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].
    ويقول الإمام ابن العربي في تفسير الآية: (لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم فاستمروا في نهيهم لهم، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهي عدم قبولهم لأنه فرض قبل أو لم يقبل، حتى قال لهم بعضهم: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ} يعني في الدنيا أو {مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} قال لهم الناهون: {مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} أي نقوم بفرضنا ليثبت عذرنا عند ربنا) .
    ثانياً: الحكم على الناس بعدم الاستجابة من الأمور الغيبية:
    إن الحكم على الناس بأنهم لا يستفيدون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الغيبية التي لا يعرفها إلا العليم الخبير. إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع رب العباد، يقلبها متى شاء وكيف ما شاء. وما أسهل على الله تقليبها. فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث شاء)) .
    وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم سهولة تصريف قلوب العباد بتقليب ريشة بأرض فلاة. فقد روى الإمام ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل القلب مثل الريشة، تقلبها الرياح بفلاة)) .
    وكم من أشخاص يراهم الناس من أتقى الناس فيتحولون إلى أفسق الناس، وكم من أفسق الناس يأتيهم الموت وهم من أتقى الناس. هذه حقيقة نقرؤها في سير الناس، ونشاهدها في حياتنا اليومية، وبينها الصادق المصدوق الناطق بالوحي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إن العبد ليعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، ويعمل – فيما يرى الناس – عمل أهل النار، وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيهما)) .
    فإذا كان البشر يجهل خواتيم الآخرين فكيف يسوغ له أن يفترض أنهم لا يستجيبون، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً إلى هذا الافتراض؟
    ثالثاً: وجوب التأسي بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر:
    جعل الله تعالى في رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أسوة لنا حيث يقول عز من قائل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. قلنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: هل ترك صلى الله عليه وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظراً لعدم استجابة الناس؟
    كلا، بل استمر صلوات الله وسلامه عليه في ذلك في أشد الأحوال وأصعبها راجياً من الله هداية المخاطبين، بل هداية أجيالهم القادمة إن لم يستجب الجيل الموجود. وسيرته الطاهرة تدل على هذا. فقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
    فقال: ((لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني. فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك, وما ردوا عليك, وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً)) .
    هل يتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الحريص على هداية الناس أن يقول: (ينبغي أن لا نضيع جهودنا وأوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون؟).
    احتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات:
    يحتج أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها – على حسب زعمهم – الأمر بالتذكير مشروطاً بالنفع، أو مخصوصاً لمن خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب، واتبع الذكر. ومن هذه النصوص:
    قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9].
    وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 18].
    وقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ} [يس: 11].
    وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].
    قالوا: نجد في هذه الآيات بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير نفع الذكرى، كما أرشد نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يقتصر في إنذاره على (من يخاف الوعيد). (وخشي الرحمن بالغيب)، و(اتبع الذكرى).
    لذا لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.
    كشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج:
    سنبين بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:
    1- النظر في سيرة من أنزل عليه صلى الله عليه وسلم تلك الآيات.
    2- المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين.
    أولاً: النظر في سيرة من أنزل عليه صلى الله عليه وسلم تلك الآيات:
    أنزلت تلك الآيات على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين، ويعلمهم إياها، وإليه أسندت مهمة بيانها، وكان صلى الله عليه وسلم صورة حية لما نزلت عليه من الآيات لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك صلى الله عليه وسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب إعراض الناس؟، كلا، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد الكفرة وتمردهم، والفهم الصحيح للآيات هو فهمه صلى الله عليه وسلم، وكل استنباط أو استدلال يعارض فهمه وعمله باطل ومردود على صاحبه.
    ثانياً: المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين:
    بيَّن المفسرون المراد بتلك الآيات فأجادوا وأفادوا جزاهم الله تعالى عنا خير الجزاء، وسنذكر بعض ما ذكروا – بعون الله تعالى – في هذا المقام.
    أما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} فنترك مجال تفسيره للإمام الرازي حيث يقول مثيراً بعض الأسئلة حوله:
    السؤال الأول: أنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط في قوله: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}؟
    الجواب: أن المعلق (بإن) على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه الآيات، منها هذه الآية.
    ومنها قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33].
    ومنها قوله: {وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172].
    ومنها قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف.
    ومنها قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ} [البقرة: 283]. والرهن جائز مع الكتابة.
    ومنها قوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} [البقرة: 230]. والمراجعة جائزة بدون هذا الظن .
    ويتابع الإمام الرازي كلامه ويقول: (إذا عرفت هذا ذكروا لذكر هذا الشرط فوائد:
    إحداها: أن من باشر فعلاً لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض، كان إلى ذلك الفعل أوجب من الصورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: {إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}.
    وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين ونبه على الأخرى كقوله: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} [النحل: 81] والتقدير {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} أو لم تنفع.
    وثالثها: أن المراد به البعث على انتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين له الحق: وقد أوضحت لك إن كنت تعقل. فيكون مراده البعث على القبول والانتفاع.
    ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا تنفعهم الذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانا إن أجابك ما أراه يجبيك.
    وخامسها: أنه عليه السلام دعا إلى الله كثيراً، وكلما كانت دعوته أكثر كان عتوهم أكثر، وكان عليه السلام يحترق حسرة على ذلك، فقيل له: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] إذ التذكير العام واجب في أول الأمر فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط) .
    وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 18]. فبين المفسرون رحمهم الله تعالى بأن المنتفعين بالإنذار هم أولئك، وليس المعنى بأن غيرهم لا يذكر ولا ينذر. يقول أبو القاسم الغرناطي: (المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار) .
    وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ} [يس: 11] فالمراد به – كما بين المفسرون – مثل المقصود بالآية السابقة. يقول أبو القاسم الغرناطي في تفسيره: (معناه كقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ} وقد ذكرناه في فاطر) .
    وأما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] فهو – كما يقول أبو القاسم الغرناطي – كقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف .
    فخلاصة القول أن الاستدلال بتلك الآيات على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم استجابة الناس غير صحيح.
    الباب الرابع: الولاية وكرامات الأولياء
    المبحث الأول: تعريف الولاية والولي
    المطلب الأول: تعريف الولاية والولي لغة
    الولي بفتح فسكون: القرب والدنو، وحصول ثان بعد أول من غير فصل يقال: تباعد بعد ولى، وكل مما يليك أي يقاربك. ويقال سقط الولي وهو المطر يلي الوسمي ويحصل بعده. والمطر الولي يقال أيضاً بوزن فعيل.
    والولاء بالفتح: القرابة والنصرة يقال بينهما ولاء. وبالكسر الموالاة والمتابعة تقول أفعل هذه الأشياء على الولاء وتوالى عليه شهران. والموالاة بين شخصين تكون أيضاً مضادة للمعاداة.
    والولاية بالكسر السلطان يقال وليت الأمر إليه فأنا وال. ونحن ولاة وبالفتح النصرة يقال هم على ولاية إذا اجتمعوا على النصرة. وتكون الولاية بالكسر على هذا المعنى عند الجمهور، وجعلها سيبويه اسماً لما توليته وقمت به.
    والمولى ابن العم، والعاصب، والحليف والناصر، والجار.
    والولي وزان فعيل ضد العدو من وليه إذا قام به يكون بمعنى فاعل وبمعنى مفعول فمن الأول الله ولي الذين آمنوا، ومن الثاني المؤمن ولي الله للمطيع له. وكل من ولى أمر غيره فهو وليه. ويطلق على ابن العم والناصر والصديق والمحب. تقول توليته إذا جعلته ولياً. ومنه: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم). كل هذا من الصحاح والقاموس والأساس والمصباح.
    المطلب الثاني: تعريف الولاية والولي اصطلاحا
    وأما تعريف الولي في الاصطلاح: فقد عرفه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:
    (وقد قيل إن الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها ويقابل الولي العدو على أساس من القرب والبعد) .
    وقال الإمام الشوكاني في تفسيره:
    (والمراد بأولياء الله خلقه المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [يونس: 63] أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه) .
    وقال الدكتور إبراهيم هلال:
    (وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي ومشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أولياء أعداء الله وأعداء الشيطان) .
    وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن لله أولياء من الناس وللشيطان أولياء ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فقد قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62-64].
    وقال تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].
    وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].
    وذكر أولياء الشيطان فقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98-100].
    وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
    وقال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].
    وعلى هذا فالتقسيم الصحيح للناس في هذه الحياة الدنيا هو أنهم ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما وهو أن أي أحد من الإنس أو الجن في هذه الحياة إما أن يكون وليا لله وإما أن يكون عدواً لله وليست الولاية محصورة في أشخاص معينين كما يزعم الصوفية ذلك بل ما نعتقده هو أن أي مسلم يؤمن بالله وبرسوله وينفذ أوامر الله ويجتنب نواهيه فهو ولي من أولياء الله سبحانه وتعالى.
    ثم إن من شرط ولاية الله سبحانه وتعالى هو أن يؤمن الإنسان بالله وبرسوله وأن يتبع الرسول في الظاهر والباطن وكل من يدعي محبة الله وولايته بدون متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كاذب مفتر دجال وليس من أولياء الله بل هو من أولياء الشيطان قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران: 31]
    قال الحسن البصري رحمه الله:
    (ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فليس من أولياء الله وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله.
    فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان معهم بل يدعون أنهم أبناؤه وأحباؤه.
    وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون على غيرهم) .
    ولكن الصوفية خصصوا لولاية الله سبحانه وتعالى أعداداً معينة في حدود الأربعين أو الثلاثمائة أو غيرها من الأعداد التي يذكرها المتصوفة لمن يطلقون عليهم أنهم أولياء الله وأصبحوا يصفونهم بأوصاف لا تليق إلا بالله سبحانه وتعالى حيث ادعوا بأن الأولياء يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون تصرفاً مطلقاً ويدعون ويستغاث بهم من دون الله وهذه كلها معتقدات فاسدة دخيلة على الإسلام جلبها المتصوفة من الطوائف الوثنية الضالة التي تعبد البشر من دون الله.
    (وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي) .
    (والمراد بولي الله العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته) .
    وقال ابن القيم رحمه الله: (فالولاية هي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه) .
    وقال أيضاً رحمه الله: (فولي الله هو القريب منه المختص به) .
    وقال ابن تيمية رحمه الله: (والولاية هي الإيمان والتقوى المتضمنة للتقرب بالفرائض والنوافل) .
    وقال أيضاً رحمه الله: (فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضاته وتقرب إليه بما أمر به من طاعته) .
    وقال السيوطي رحمه الله: (وهو العارف بالله حسب ما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب للمعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات) .
    المطلب الثالث: اجتماع الولاية والعداوة
    وتجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان. وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في الإيمان. ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى - أولى من موافقته في المعنى وحده، قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106 ]. وقال تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا}[الحجرات: 14]، الآية. وقد تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. وقال صلى الله عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) وفي رواية: ((وإذا ائتمن خان))، بدل: ((وإذا وعد أخلف)). أخرجاه في الصحيحين . وحديث شعب الإيمان... وقوله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) .
    فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر ما معه من ذلك، ثم يخرج من النار.
    فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق.
    وأما ما يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه)) -: فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفارا، وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق.



  7. #307
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    المبحث الثاني: شروط الولي
    لا يكون وليا لله إلا من آمن بالرسول وبما جاء به واتبعه باطنا وظاهرا ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله؛ بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] قال الحسن البصري رحمه الله ادعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فليس من أولياء الله وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ} الآية [المائدة: 18]. وقال تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} إلى قوله {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 111، 112]. وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:66، 67] وقال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ} إلى قوله {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ}[الأنفال:30-34] فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون. وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهارا من غير سر: ((إن آل فلان ليسوا لي بأولياء - يعني طائفة من أقاربه - إنما وليي الله وصالح المؤمنين)) وهذا موافق لقوله تعالى {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} الآية. وصالح المؤمنين هو من كان صالحا من المؤمنين وهم المؤمنون المتقون أولياء الله. ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)) ومثل هذا الحديث الآخر: ((إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا)) . كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس وليا لله؛ بل عدو له فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى جميع الإنس؛ بل إلى الثقلين الإنس والجن ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك مثل ألا يقروا في الباطن بأنه رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه؛ بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها أو لم يكن يعرفها أو هم أعرف بها منه أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته...
    والمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدعي في نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عنادا وإما جهلا كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله وأن محمدا رسول الله؛ ولكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب وأنه لا يجب علينا اتباعه لأنه أرسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بولايته بقوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}[يونس: 62، 63].
    ولا بد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله فلا بد في الإيمان من أن تؤمن أن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين لا نبي بعده وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن؛ فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين؛ ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء:150-152] ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه. ووعده ووعيده وحلاله وحرامه؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان... وفي أصناف المشركين من مشركي العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة؛ ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاءوا به ولا يصدقهم بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء لله وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين. قال تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء:221-223]. وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلا بد أن يكذبوا وتكذبهم شياطينهم. ولا بد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة؛ ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. قال الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين} [الزخرف:36] وذكر الرحمن هو الذكر الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به...
    وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62-63] وفي صحيح البخاري الحديث المشهور - وقد تقدم - يقول الله تبارك وتعالى فيه: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) ولا يكون مؤمنا تقيا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله. وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة - وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول - فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين؛ فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله. وكذلك المجانين والأطفال؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم. وعن النائم حتى يستيقظ)) . وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما . واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء. وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء. ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات؛ بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة. فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته. ولا غير ذلك من أقواله بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ولا ثواب ولا عقاب. بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع وفي مواضع فيها نزاع. وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله؛ لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع؛ فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين - من المشركين وأهل الكتاب - لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا؛ بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة. أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم السلام. أو يقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان. فضلا عن ولاية الله عز وجل. فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم كان أضل من اليهود والنصارى.
    وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق.
    وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل: كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء؛ بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20].......
    وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطئ؛ بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهى الله عنه ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه......
    ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلط لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله لئلا يكون نبيا؛ بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق؛ بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف؟ توقف فيه. والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف طرفان ووسط؛ فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه حدث به قلبه عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا وخيار الأمور أوساطها وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما إذا كان مجتهدا مخطئا فلا يتبع في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده. والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف ويقول هذا خالف الشرع........
    وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل وتجب طاعتهم فيما يأمرون به؛ بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به؛ بل يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله وما خالف الكتاب والسنة كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له أجر على اجتهاده. لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا وكان من الخطإ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع؛ فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن:16]......... وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الاعتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه الذين أمر الله باتباعهم؛ بل إما أن يكون كافرا وإما أن يكون مفرطا في الجهل. وهذا كثير في كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال: لا يقتدى به. وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54] وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله وإن خالف الكتاب والسنة فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه وبين أهل الجنة وأهل النار وبين السعداء والأشقياء فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين؛ ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال وآخرا إلى الكفر والنفاق
    المطلب الأول: أقسام الأولياء
    أولياء الله على طبقتين سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون. ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان؛ والمطففين وفي سورة فاطر فإنه سبحانه وتعالى ذكر في الواقعة القيامة الكبرى في أولها وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في أولها {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ}[الواقعة:1-14] فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين كما وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع. ثم قال تعالى في آخر السورة: {فَلَوْلَا} أي: فهلا {إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:83-96].......
    وأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين كما تقدم. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عمل القسمين في حديث الأولياء فقال ((يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها)) . فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات؛ ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما كما قال تعالى: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) يعني الحب المطلق كقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6، 7] أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: 69] فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفا كما عملوا له صرفا والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه فلم يشربوا صرفا؛ بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا......
    وقد ذكر الله تعالى أولياءه المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر32-35] لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الآية هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة كما قال تعالى {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر:32]. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة وليس ذلك مختصا بحفاظ القرآن؛ بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء وقسمهم إلى ظالم لنفسه ومقتصد وسابق؛ بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والانفطار فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم
    تمهيد
    إذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق قال الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة 124 ،125] وقال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ}[التوبة:37] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17] وقال تعالى في المنافقين {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [البقرة:10]. فبين سبحانه وتعالى أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه؛ وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه. وقال تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً} [المدثر:31] وقال تعالى {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}[الفتح:4].
    ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا مجملا وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن بما بلغه عن الرسل وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به؛ ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانا مجملا فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه وما لم تقم عليه الحجة فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان المفصل به فلا يعذبه على تركه؛ لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل إيمانا وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به؛ وكلاهما ولي لله تعالى. والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم.
    مسألة: من أفضل الأولياء؟
    وأفضل أولياء الله الأنبياء وأفضل الأنبياء المرسلون منهم وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}[الشورى:13] وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} [الأحزاب:7- 8]. وأفضل أولي العزم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم وهم آخر الأمم خلقا وأول الأمم بعثا...وفضائله صلى الله عليه وسلم وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه
    وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب فقال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً} [النساء:69].... وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:110] وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}[فاطر:32] وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند ((أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله)) وأفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرن الأول. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال ((خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه . وفي الصحيحين أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) . والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة وفيه أنزل الله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فقالوا يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: ((نعم)) . وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة وأفضلهم أبو بكر ثم عمر وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملا به فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم وأفضلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه.
    وقد ظن طائفة غالطة أن خاتم الأولياء أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن.
    ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء فكيف يكون الأنبياء كلهم؟ والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم؛ فإن فضل محمد صلى الله عليه وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك
    المبحث الرابع: الشهادة لمعين بالولاية
    وأما الشهادة للشخص معين بالولاية ففيها ثلاثة أقوال كما بين ذلك ابن تيمية رحمه الله:
    الأول: قيل لا يشهد بذلك لغير النبي، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي وعلي بن المديني وغيرهم.
    الثاني: وقيل يشهد به لمن جاء به نص إن كان خبرا صحيحا كمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة فقط، وهذا قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
    الثالث: وقيل يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وغيرهما، وكان أبو ثور يشهد لأحمد بن حنبل بالجنة قال: وفي الحديث الذي في المسند: ((يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار. قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال بالثناء الحسن والثناء السيئ)) . وفي الصحيحين: ((أن النبي مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت، وجبت، ومر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا فقال: وجبت، وجبت فقيل يا رسول الله ما قولك وجبت وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير فقلت وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا فقلت وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض)) . ثم قال: والتحقيق أن هذا قد يعلم بأسباب، وقد يعلم على الظن، ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم.
    ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية ((لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم فصار لنا عثمان بن مظعون في السكنى فمرض فمرضناه ثم توفي، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فقلت رحمة الله عليك أبا السائب. فشهادتي أن قد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله قد أكرمه؟ قالت: لا والله لا أدري، فقال النبي: أما هو فقد أتاه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري- وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم، قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدا أبدا)) انتهى كلام ابن تيمية وإن من الناس من يظهر منه صلاح وورع وكانت حاله بينه وبين الله على العكس من ذلك. فإذا خلا بمحارم الله انتهكها كما في حديث ثوبان عن النبي أنه قال: ((لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة. بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) . ولما أثنى رجل على آخر عند رسول الله انتهره قائلا ((ويحك قطعت عنق صاحبك. ثم قال: إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحدا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك)) .
    وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عمن كان يأمر بالمعروف ولا يأتيه وينهى عن المنكر ويأتيه أنه ((يؤتى به يوم القيامة ويدور كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه)) .
    وكذلك رأى الصحابة رجلا من المسلمين يقاتل المشركين بقوة حتى أعمل فيهم القتل فأعجبوا لشجاعته وأثنوا عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا من أهل النار فتعجب الصحابة حتى قالوا: أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟ فتبعه رجل من الصحابة فوجده قد جرح فاستعجل الموت ووضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فجاء الرجل إلى النبي وقال: أشهد أنك رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ فأخبره بخبره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)) .
    وكذلك قتل رجل في خيبر فقيل: ((هنيئا له الجنة؛ فقال رسول الله: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها من المغانم- لم تصبها المقاسم- لتشتعل عليه نارا)) .
    فها قد خفيت حقيقة هؤلاء الرجال على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم أعظم أولياء الله؛ بل هم أعظم ولاية عند الله من أولياء اليوم والغد. فلماذا لم ينكشف لهم ما يزعم أدعياء الولاية اليوم مكاشفته، أم أن الله فضل أولياء اليوم على سلفنا الصالح وكشف لهم ما أخفاه عن أولئك!
    ولقد نهانا الله تعالى عن أن يزكي الواحد منا نفسه مع كون الواحد منا أعلم بنفسه من غيره فقال {فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [ النجم: 33]. فكيف نستطيع أن نحكم على غيرنا بولايته وتقواه، و بصدق ظاهره وباطنه سره وعلانيته مع الله!.
    المبحث الأول: تعريف الكرامة
    المطلب الأول: تعريف الكرامة لغة
    كرم الشيء بضم الراء كرماً بفتحتين، وكرامة إذا نفس وعز فهو كريم، وله علي كرامة أي عزازة. وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم، ولا يقال في الإنسان كريم حتى تظهر منه أخلاق وأفعال محمودة.
    وكرمته تكريماً، وأكرمته إكراما. عظمته ونزهته، والمكرمة بضم الراء: اسم من الكرم، والتكريم. تقول: فعل الخير مكرمة، أي سبب للكرم، أو التكريم. وتكون الكرامة اسماً أيضاً من الإكرام، والتكريم. تقول: نعم وحباً وكرامة. وليس ذلك لهم ولا كرامة. والإكرام والتكريم، أن يوصل إلى الإنسان إكرام أي نفع لا يلحقه فيه غضاضة، أو أن يجعل ما يوصل إليه شيئاً كريماً، أي شريفاً. هذا كله من الصحاح والقاموس والمصباح ومفردات الراغب. وقابل الشاعر الكرامة بالمساءة فقال:
    المطلب الثاني: تعريف الكرامة اصطلاحا
    أما الكرامات، فهي جمع كرامة، والكرامة: أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد ولي، تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين.
    وعرفها بعضهم بأنها أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح.
    فقولنا: أمر خارق للعادة: أخرج ما كان على وفق العادة من أعمال.
    وغير مقرون بدعوى النبوة: أخرج معجزات الأنبياء.
    ولا هو مقدمة لها: أخرج الإرهاص وهو كل خارق تقَدم النبوة.
    ويظهر على يد عبد ظاهر الصلاح..: أخرج ما يجري على أيدي السحرة والكهان فهو سحر وشعبذة.
    المبحث الثاني: الأدلة على وقوع الكرامات
    المطلب الأول: ما جاء في الكتاب والسنة
    فأما الكتاب: فقوله تعالى في قصة مريم عليها السلام: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] فروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: وجد عندها الفاكهة الغضة حين لا توجد الفاكهة عند أحد فكان زكريا يقول: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا}؟ قالت: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
    وروي عنه قال: عنبا في مكتل في غير حينه .
    وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم النخعي وقتادة والربيع بن أنس وعطية والسدي وسفيان الثوري: فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء .
    وقال تبارك وتعالى في قصة سارة زوجة إبراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 71-73]
    وقال تبارك وتعالى: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]
    عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق فيه. قال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان أجير لي عمل على فرق من أرز فذهب وتركه فزرعته فكان من أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا، ثم أتاني يطلب أجره فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال إنما لي عندك فرق من أرز، فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها فإنها من ذلك فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك فافرج عنا فانساحت عنهم الصخرة.
    وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهم كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عليهم ذات ليلة فرقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما وكرهت أن أرجع فيستيقظا لشربتهما فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء.
    وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقمت عنها وتركت لها المائة دينار. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. ففرج الله تعالى عنهم فخرجوا)) أخرجه البخاري ومسلم .
    عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل بأرض فلاة فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فانتهى إلى الحرة فإذا هي أذناب شراج وإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت الماء. فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته. فقال له: يا عبد الله ما اسمك قال فلان الاسم الذي سمع في السحابة فقال له يا عبد الله لم سألتني عن اسمي؟! إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان باسمك فما تصنع فيها؟ قال: إن قلت هذا فإني أنظر إلى ما خرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيها ثلثه) لفظ يعقوب أخرجه مسلم .
    عن أبي هريرة قال: ((كان جريج يتعبد في صومعته فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك كلمني) قال أبو رافع قال أبو هريرة: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف لنا صفتها فقالت هكذا وضعت يدها على وجهها أنا أمك كلمني فصادفته يصلي فقال اللهم أمي وصلاتي فاختار صلاته. ثم جاءته الثانية فقالت: يا جريج أنا أمك كلمني فصادفته يصلي. فقالت: اللهم هذا جريج وإنه ابني وإني قد كلمته فلم يكلمني اللهم لا تمته حتى تريه المومسات. قال ولو دعت عليه أن يفتن لافتتن. قال: وكان راعي ضأن يأوي إلى دير فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها ممن هذا قالت: من صاحب الصومعة. قال: فأقبلوا إليه بفئوسهم ومساحيهم فصوتوا به فصادفوه يصلي فلم يكلمهم فأخذوا يهدمون ديره فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له سل هذه قال فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ فقال: أبي راعي الضأن فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني لك ما هدمنا بالذهب والفضة قال لا ولكن أعيدوه ترابا. ثم علاه)) واللفظ لحديث أبي النضر أخرجه مسلم .
    عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لم يكذب إبراهيم عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله عز وجل قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت من أحسن الناس فقال لها إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي وإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم اليوم مسلما غيري وغيرك فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال لقد دخل أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك فأرسل إليها فأتي بها وقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة
    فلما أن دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها وتقبضت يده قبضة شديدة فقال لها سلي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فانطلقت يده فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها سلي الله أن يطلق يدي ولا أضرك فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأوليين فقال سلي الله أن يطلق يدي ولك الله علي أن لا أضرك ففعلت فانطلقت يده فدعا الذي جاء بها فقال له إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فلما رآها إبراهيم قال لهم مهيم قالت خير كف الله يد الفاجر وأخدمني هاجر. قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء السماء) أخرجه البخاري ومسلم
    عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج قال بينا رجل يسوق بقرة له فأعيا فركبها فالتفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا إنما خلقت لحراثة الأرض. فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله سبحان الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا في المجلس. فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: بينا رجل يسوق غنما له عدا الذئب على شاة منها فأخذها فاتبعه فطلبه فالتفت الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. فقال من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله سبحان الله فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فإني آمنت به وأبو بكر وعمر وليسا في المجلس. فقال القوم: فإنا آمنا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه و سلم)
    أخرجه البخاري ومسلم من حديث سعد بن إبراهيم وأبي الزناد عن أبي سلمة وليس في حديثهما في بني إسرائيل .
    عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله تعالى أن يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال أي شيء أحب إليك قال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا قال أي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر شك ابن أبي طلحة إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فأعطي ناقة عشراء قال فقال يبارك لك فيها فأتى الأقرع فقال أي شيء أحب إليك فقال شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب عنه وأعطى شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال البقر قال فأعطي بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها ثم أتى الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد الله بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم قال فأعطي شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم أتى الأبرص في صورته وهيئته وقال رجل مسكين قد تقطعت بي الحبال فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري قال إن الحقوق كثيرة قال كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فتبرأ فأعطاك الله تعالى قال لقد ورثت هذا المال كابرا عن كابر قال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ذلك فرد عليه مثل ما رد عليه هذا ثم أتى الأعمى في صورته وهيئته فقال رجل مسكين وابن سبيل تقطعت بي الحبال في سفري قال كنت أعمى فرد الله إلي بصري وفقيرا فأغناني فخذ ما شئت فوالله لا أمنعك اليوم شيئا أخذته لله عز وجل قال أمسك مالك إنما ابتليتم قد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك) أخرجه البخاري ومسلم .
    عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيدا فقال ائتني بكفيل. فقال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى. فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه لأجله الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها الدنانير وصحيفة منه إلى صاحبه ثم سد موضعها ثم أتى بها البحر فقال اللهم إنك تعلم أني تسلفت من فلان ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا ورضي بك وسألني شهودا فرضي بك وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أجد مركبا وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه رجاء أن يكون مركب قد جاء بماله فإذا تلك الخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار ثم قال والله مازلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه فقال له هل كنت بعثت إلي بشيء قال إني أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه قال إن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بمالك راشدا) استشهد به البخاري قال الليث حدثني جعفر بن ربيعة .
    المطلب الثاني: ما جاء في كرامات الصحابة والتابعين
    وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا: مثل ما كان (أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته) ، وكانت (الملائكة تسلم على عمران بن حصين) ، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما. رواه البخاري وغيره . وقصة الصديق في الصحيحين (لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا) . وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة . وعامر بن فهيرة قتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع وقال عروة: فيرون الملائكة رفعته . وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها . وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده . (والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء أقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم فيهزم العدو فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا) . وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم فشربه فلم يضره . وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر (يا سارية الجبل يا سارية الجبل فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح: يا سارية الجبل يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله) . ولما عذبت الزبيرة على الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها؛ قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى. قالت: كلا والله فرد الله عليها بصرها. ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمي بصرها لما كذبت عليه فقال: (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت) . والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم فيستجاب له ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء والإسقاء لما بعدهم فأجيب ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم؛ ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد . وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار (فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله عز وجل فيه فقال بعضهم: فقدت مخلاة فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها) . (وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله. قال ما أسمع قال أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا وسلاما؛ وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله) . ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره. وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها. وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها. ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف شيئا غيره ومرت القافلة. ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه. ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا. وصلة بن أشيم (مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية فأخذ سرجه فمات الفرس). وجاع مرة بالأهواز فدعا الله عز وجل واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا. وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير. وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره. (ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا فقال لهم: أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره فحمل عليه متاعه) . ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه وكفنوه في تلك الأثواب. وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوماً في شدة الحر فأظلته غمامة وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم. وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط. (ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر) . وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. (وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال صوتا حسنا ودمعا غزيرا وطعاما من غير تكلف. فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره وكان يأوي إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه) . (وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده) .
    المبحث الثالث: أنواع الخوارق
    المطلب الأول: أنواع الخوارق من ناحية القدرة والتأثير
    وأما القدرة والتأثير فإما أن يكون في العالم العلوي أو ما دونه، وما دونه إما بسيط أو مركب، والبسيط إما الجو وإما الأرض، والمركب إما حيوان وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ناطق وإما بهيم، فالعلوي كانشقاق القمر ورد الشمس ليوشع بن نون، وكذلك ردها لما فاتت عليا الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم نائم في حجره – إن صح الحديث – فمن الناس من صححه كالطحاوي والقاضي عياض. ومنهم من جعله موقوفاً كأبي الفرج بن الجوزي، وهذا أصح. وكذلك معراجه إلى السماوات. وأما الجو فاستسقاؤه واستصحاؤه غير مرة، كحديث الأعرابي الذي في الصحيحين وغيرهما، وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره، وكذلك إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
    وأما الأرض والماء فكاهتزاز الجبل تحته وتكثير الماء في عين تبوك وعين الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة.
    وأما المركبات فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق من حديث جابر وحديث أبي طلحة، وفي أسفاره، وجراب أبي هريرة، ونخل جابر بن عبد الله، وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من الأرض كعين أبي قتادة. وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض التمثيل.
    وكذلك من باب القدرة عصا موسى صلى الله عليه وسلم وفلق البحر والقمل والضفادع والدم، وناقة صالح، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، كما أن من باب العلم إخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وفي الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها، وإنما الغرض التمثيل بها.
    وأما المعجزات التي لغير الأنبياء من باب الكشف والعلم فمثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بان ببطن زوجته أنثى، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلاً. وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام، والقدرة مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب. وقصة أهل الكهف، وقصة مريم، وقصة خالد بن الوليد وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي مسلم الخولاني، وأشياء يطول شرحها. فإن تعداد هذا مثل المطر. وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس. وأما القدرة التي لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه.
    المطلب الثاني: أنواع الخوارق من ناحيةكونها نعمة أو نقمة
    الخارق يكون نعمة من الله، ويكون سبباً للعذاب:
    الخارق كشفاً كان أو تأثيراً إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها ديناً وشرعاً، إما واجب وإما مستحب. وأن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكراً، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سبباً للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعوراء، لكن قد يكون صاحبها معذوراً لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فيكون من جنس برح العابد، والنهي قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول: مثل أن يدعو الله دعاء منهيا عنه اعتداء عليه. وقد قال تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت كشفاً أو تأثيراً. (والثاني): أن يدعو على غيره بما لا يستحقه، أو يدعو للظالم بالإعانة ويعينه بهمته، كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال. فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة بحيث يعذرون والناقصين نقصاً لا يلامون عليه كانوا برحية. وقد بينت في غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية، فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو المقصود منهي عنه فأما أن يكون معذوراً معفواً عنه كبرح أو يكون متعمداً للكذب كبلعام.



  8. #308
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    المطلب الثالث: أنواع الخوارق من ناحية المدح أو الذم أو الإباحة
    فتخلص أن الخارق ثلاثة أقسام: محمود في الدين، ومذموم في الدين، ومباح لا محمود ولا مذموم في الدين. فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التي لا منفعة فيها كاللعب والعبث.
    اطلب الاستقامة لا الكرامة:
    قال أبو علي الجوزجاني: كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
    المطلب الرابع: أنواع الخوارق من ناحية كونها كمالا أو نقصا
    ما يكون من الخوارق كمالاً وما يكون نقصاً:
    وأما القسم الأول هو المتعلق بالدين فقط فقد يكون منه ما لا يحتاج إلى الثاني ولا له فيه منفعة، كحال كثير من الصحابة والتابعين وصالحي المسلمين وعلمائهم وعبادهم، مع أنه لابد أن يكون لهم شخصاً أو نوعاً بشيء من الخوارق، وقد يكون منهم من لا يستعمل أسباب الكونيات ولا عمل بها، فانتفاء الخارق الكوني في حقه إما لانتفاء سببه وإما لانتفاء فائدته، وانتفاؤه لانتفاء فائدته لا يكون نقصاً، وأما انتفاؤه لانتفاء سببه فقد يكون نقصاً وقد لا يكون نقصاً، فإن كان لإخلاله بفعل واجب وترك محرم كان عدم الخارق نقصاً وهو سبب الضرر، وإن كان لإخلاله بالمستحبات فهو نقص عن رتبة المقربين السابقين وليس هو نقصاً عن رتبة أصحاب اليمين المقتصدين، وإن لم يكن كذلك بل لعدم اشتغاله بسبب بالكونيات التي لا يكون عدمها ناقصاً لثواب لم يكن ذلك نقصاً، مثل من يمرض ولده ويذهب ماله فلا يدعو ليعافى أو يجيء ماله، أو يظلمه ظالم فلا يتوجه عليه لينتصر عليه.
    وأما القسم الثاني وهو صاحب الكشف والتأثير الكوني فقد تقدم أنه تارة يكون زيادة في دينه، وتارة يكون نقصاً، وتارة لا له ولا عليه، وهذا غالب حال أهل الاستعانة، كما أن الأول غالب حال أهل العبادة، وهذا الثاني بمنزلة الملك والسلطان الذي قد يكون صاحبه خليفة نبيا، فيكون خير أهل الأرض، وقد يكون ظالماً من شر الناس، وقد يكون ملكاً عادلاً فيكون من أوساط الناس فإن العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالعلم بأحوالها والتأثير فيها بالملك وأسبابه، فسلطان الحال والقلب كسلطان الملك واليد، إلا أن أسباب هذا باطنه روحانية، وأسباب هذا ظاهرة جثمانية. وبهذا تبين لك أن القسم الأول إذا صح فهو أفضل من هذا القسم، وخير عند الله وعند رسوله وعباده الصالحين المؤمنين العقلاء وذلك من وجوه:
    الكشف والتأثير الروحاني قد يكونان مفاسد في الدين والدنيا:
    (أحدها) أن علم الدين طالباً وخبراً لا ينال إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأما العلم بالكونيات فأسبابه متعددة، وما اختص به الرسل وورثتهم أفضل مما شركهم فيه بقية الناس، فلا ينال علمه إلا هم وأتباعهم، ولا يعلمه إلا هم وأتباعهم.
    (الثاني) أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون الصالحون الذين هم أهل الجنة وأحباب الله وصفوته وأحباؤه وأولياؤه ولا يأمر به إلا هم.
    وأما التأثير الكوني فقد يقع من كافر ومنافق وفاجر، تأثيره في نفسه وفي غيره كالأحوال الفاسدة والعين والسحر، وكالملوك والجبابرة المسلطين والسلاطين الجبابرة، وما كان من العلم مختصاً بالصالحين أفضل مما يشترك فيه المصلحون والمفسدون.
    (الثالث) أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه في الآخرة ولا يضره. وأما الكشف والتأثير فقد لا ينفع في الآخرة قد يضره كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103].
    (الرابع) أن الكشف والتأثير إما أن يكون فيه فائدة أو لا يكون، فإن لم يكن فيه فائدة كالإطلاع على سيئات العباد وركوب السباع لغير حاجة والاجتماع بالجن لغير فائدة والمشي على المائع مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب وإنما يستعظم هذا من لم ينله وهو تحت القدرة والسلطان في الكون مثل من يستعظم الملك أو طاعة الملوك لشخص وقيام الحالة عند الناس بلا فائدة، فهو يستعظمه من جهة سببه لا من جهة منفعته كالمال والرياسة، ودفع مضرة كالعدو والمرض، فهذه المنفعة تنال غالباً بغير الخوارق أكثر مما تنال بالخوارق، ولا يحصل بالخوارق منها إلا القليل، ولا تدوم إلا بأسباب أخرى. وأما الآخر أيضاً فلا يحصل بالخوارق إلا مع الدين، والدين وحده موجب للآخرة بلا خارق، بل الخوارق الدينية الكونية أبلغ من تحصيل الآخرة، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك المال والرياسة التي تحصل لأهل الدين بالخوارق، إنما هو مع الدين وإلا فالخوارق وحدها لا تؤثر في الدنيا إلا أثراً ضعيفاً.
    فإن قيل: مجرد الخوارق أن لم تحصل بنفسها منفعة لا في الدين ولا في الدنيا فهي علامة طاعة النفوس له، فهو موجب الرياسة والسلطان، ثم يتوسط ذلك فتجتلب المنافع الدينية والدنيوية، وتدفع المضار الدينية والدنيوية.
    المنافع الدينية والدنيوية بأسبابهما أعم وأعظم منها بالخوارق:
    قلت: نحن لم نتكلم إلا في منفعة الدين أو الخارج في نفسه من غير فعل الناس. وأما إن تكلمنا فيما يحصل بسببها من فعل الناس فنقول، أولاً: الدين الصحيح أوجب لطاعة النفوس وحصول الرياسة من الخارق المجرد كما هو الواقع، فإنه لا نسبة لطاعة من أطيع لدينه إلى طاعة من أطيع لتأثيره، إذ طاعة الأول أعم وأكثر، والمطيع بها خيار بني آدم عقلا ودينا، وأما الثانية فلا تدوم ولا تكثر ولا يدخل فيها الاجهال الناس، كأصحاب مسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي ونحوهم وأهل البوادي والجبال ونحوهم ممن لا عقل له ولا دين.
    ثم نقول ثانيا: لو كان صاحب الخارق يناله من الرياسة والمال أكثر من صاحب الدين لكان غايته أن يكون ملكاً من الملوك، بل ملكه أن لم يقرنه بالدين فهو كفرعون وكمقدمي الإسماعيلية ونحوهم، وقد قدمنا أن رياسة الدنيا التي ينالها الملوك بسياستهم وشجاعتهم وإعطائهم أعظم من الرياسة بالخارق المجرد، فإن هذه أكثر ما يكون مدة قريبة.
    أسباب الكشف والتأثير الخارق للعادة ومضارهما:
    (الخامس) أن الدين ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه مضرة الدنيا والآخرة من غير أن يحتاج معه إلى كشف أو تأثير.
    وأما الكشف أو التأثير فإن لم يقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فلعدم الدين الذي هو أداء الواجبات وترك المحرمات، وأما في الدنيا فإن الخوارج هي من الأمور الخطرة التي لا تنالها النفوس إلا بمخاطرات في القلب والجسم والأهل والمال، فإنه إن سلك طريق الجوع والرياضة المفرطة خاطر بقلبه ومزاجه ودينه، وربما زال عقله ومرض جسمه وذهب دينه، وإن سلك طريق الوله والاختلاط بترك الشهوات ليتصل بالأرواح الجنية وتغيب النفوس عن أجسامها، كما يفعله مولهو الأحمدية – فقد أزال عقله وأذهب ماله ومعيشته، وأشقى نفسه شقاء لا مزيد عليه، وعرض نفسه لعذاب الله في الآخرة لما تركه من الواجبات وما فعله من المحرمات، وكذلك إن قصد تسخير الجن بالأسماء والكلمات من الأقسام والعزائم فقد عرض نفسه لعقوبتهم ومحاربتهم، بل لو لم يكن الخارق إلا دلالة صاحب المال المسروق والضال على ماله أو شفاء المريض أو دفع العدو من السلطان والمحاربين – فهذا القدر إذا فعله الإنسان مع الناس ولم يكن عمله ديناً يتقرب به إلى الله كان كأنه قهرمان للناس يحفظ أموالهم، أو طبيب أو صيدلي يعالج أمراضهم، أو أعوان سلطان يقاتلون عنه، إذ عمله من جنس عمل أولئك سواء.
    ومعلوم أن من سلك هذا المسلك على غير الوجه الديني فإنه يحابي بذلك أقواماً ولا يعدل بينهم، وربما أعان الظلمة بذلك كفعل بلعام وطوائف من هذه الأمة وغيرهم. وهذا يوجب له عداوة الناس التي هي من أكثر أسباب مضرة الدنيا، ولا يجوز أن يحتمل المرء ذلك إلا إذا أمر الله به ورسوله لأن ما أمر الله به ورسوله وإن كان فيه مضرة فمنفعته غالبة على مضرته والعاقبة للتقوى.
    (السادس) أن الدين علماً وعملاً إذا صح فلابد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3] وقال تعالى {إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] وقال تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَبِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [النساء: 66-68].
    وقال تعالى {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [يونس: 62-64]
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله – ثم قرأ قوله تعالى – {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ})) رواه الترمذي وحسنه من رواية أبي سعيد.
    وقال الله تعالى فيما روى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من عادي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه)) فهذا فيه محاربة الله لمن حارب وليه، وفيه أن محبوب هبه يعلم سمعا وبصراً، وبه يعمل بطشاً وسعياً، وفيه أن يجيبه إلى ما يطلبه منه من المنافع، ويصرف عنه ما يستعيذ به من المضار. وهذا باب واسع.
    المبحث الرابع: الفرق بين الكرامة والأحوال الشيطانية
    وبين كرامات الأولياء وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة: منها أن كرامات الأولياء سببها الايمان والتقوى والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله.
    وقد قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون} [الأعراف:33] فالقول على الله بغير علم والشرك والظلم والفواحش قد حرمها الله تعالى ورسوله فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل الفواحش فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية.
    ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار فإذا حضر رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط كما جرى هذا لغير واحد ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت سواء كان ذلك المخلوق مسلما أو نصرانيا أو مشركا فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص أو هو ملك تصور على صورته وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين.
    ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت ويقضي الديون ويرد الودائع ويفعل أشياء تتعلق بالميت ويدخل إلى زوجته ويذهب وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحدا يغسلني فأن أجيء وأغسل نفسي فلما مات رأى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه فلما قضى ذلك الداخل غسله أي غسل الميت غاب وكان ذلك شيطانا وكان قد أضل الميت وقال: إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك فلما مات جاء أيضا في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك
    ومنهم من يرى عرشا في الهواء وفوقه نور ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجروه واستعاذ بالله منه فيزول
    ومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين وقد جرى هذا لغير واحد (وهؤلاء منهم من يرى ذلك عند قبر الذي يزوره فيرى القبر قد انشق وخرج إليه صورة فيعتقدها الميت وإنما هو جني تصور بتلك الصورة ومنهم من يرى فارسا قد خرج من قبره أو دخل في قبره ويكون ذلك شيطانا وكل من قال: أنه رأى نبيا بعين رأسه فما رأى إلا خيالا)
    ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر إما الصديق رضي الله عنه أوغيره قد قص شعره أوحلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر إنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وعلى مذهبهم والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطىء فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة أويقلب فاتحة الكتاب أو سورة الإخلاص أو آية الكرسي أو غيرهن ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر وقد يأتونه بمن يهواه من امرأة أو صبي إما في الهواء وإما مدفوعا ملجأ إليه إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها والإيمان بها إيمان بالجبت والطاغوت والجبت: السحر والطاغوت: الشياطين والأصنام وإن كان الرجل مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته
    ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله كان عمار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى فيدعون الميت أو يدعون به أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب - أقرب إلى الأحوال الشيطانية
    من ضوابط الحكم على خرق العادة النظر في سيرة واستقامة من خرقت له:
    وأما تمييز الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات من الدعي الكاذب الذي يموه على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه، من قيامه بالفرائض والنوافل، واتقائه الكبائر، والصغائر، واتصافه بالصفات الكريمة، واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة، وعرفت عنه، ثم حدث على يديه شيء من الخوارق فيما لا يخالف الشرع، فيجوز أن يطلق على ذلك الخارق اسم (كرامة).
    أما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مشتهرا بالفسق والفساد والضلال، وغير ذلك، فإن كل ما يجري على يديه لا يعتد به بالغا ما بلغ، والله أعلم .
    من شروط الكرامة:
    قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
    (ومن الفوائد في هذا الأصل أن ينظر إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد، فإن كان لها أصل في كرامات الرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزاته؛ فهي صحيحة، وإن لم يكن لها أصل؛ فغير صحيحة، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة؛ إذ ليس كل ما يظهر على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة، بل منها ما يكون كذلك، ومنها ما لا يكون كذلك.
    وبيان ذلك بالمثال أن أرباب التصريف بالهمم والتقربات بالصناعة الفلكية، والأحكام النجومية، قد تصدر عنهم أفاعيل خارقة، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ليس لها في الصحة مدخل، ولا يوجد لها من كرامات النبي صلى الله عليه وسلم منبع؛ لأنه إن كان ذلك بدعاء مخصوص، فدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على تلك النسبة، ولا تجري فيه تلك الهيئة، ولا اعتمد على قران في الكواكب، ولا التمس سعودها أو نحوسها، بل تحرى مجرد الاعتماد على من إليه يرجع الأمر كله، والتجأ إليه، معرضاً عن الكواكب، وناهياً عن الاستناد إليها؛ إذ قال: ((أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر))... الحديث وإن تحرى وقتاً، أو دعا إلى تحريه، فلسبب بريء من هذا كله؛ كحديث التنزل، وحديث اجتماع الملائكة طرفي النهار، وأشباه ذلك) إلى أن قال رحمه الله: (وهذا الموضع مزلة قدم للعوام، ولكثير من الخواص؛ فلتتنبه له) .
    خرق العادة بمجرده لا يدل على الولاية:
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
    (وكل من خالف شيئاً مما جاء به الرسول، مقلداً في ذلك لمن يظن أنه ولي لله، فإنه بنى أمره على أنه ولي الله، وأن ولي الله لا يخالف في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله؛ كأكابر الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك؟!
    وتجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفه في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة؛ مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحياناً، أو يملأ إبريقاً من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو يختفي أحياناً عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه، فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقته لأمره ونهيه.
    وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة -وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله- فقد يكون عدوا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار، والمشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي الله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم، وأفعالهم، وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع الإسلام الظاهرة.
    مثال ذلك: أن الأمور المذكورة وأمثالها، قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات، والقمامين، والمقابر، والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف...) . اهـ.
    قال الإمام الشاطبي رحمه الله:
    (ومن هنا يعلم أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح ردها ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة، فإن ساغت هناك فهي صحيحة مقبولة في موضعها، وإلا لم تقبل إلا الخوارق الصادرة على أيدي الأنبياء عليهم السلام؛ فإنه لا نظر فيها لأحد؛ لأنها واقعة على الصحة قطعاً؛ فلا يمكن فيها غير ذلك، ولأجل هذا حكم إبراهيم عليه السلام في ذبح ولده بمقتضى رؤياه، وقال له ابنه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، وإنما النظر فيما انخرق من العادات على يد غير المعصوم.
    وبيان عرضها أن تفرض الخارقة واردة من مجاري العادات، فإن ساغ العمل بها عادة وكسبا، ساغت في نفسها، وإلا فلا؛ كالرجل يكاشف بامرأة أو عورة، بحيث اطلع منها على ما لا يجوز له أن يطلع عليه، وإن لم يكن مقصوداً له، أو رأى أنه يدخل على فلان بيته وهو يجامع زوجته ويراه عليها، أو يكاشف بمولود في بطن امرأة أجنبية؛ بحيث يقع بصره على بشرتها، أو شيء من أعضائها التي لا يسوغ النظر إليها في الحس، أو يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له: (أنا ربك)، أو يرى ويسمع من يقول له: (قد أحللت لك المحرمات)، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا يقبلها الحكم الشرعي على حال، ويقاس على ذلك ما سواه، وبالله التوفيق) . اهـ.
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
    (خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء، كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة) .
    وقال العلامة الشوكاني رحمه الله:
    (ولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله سبحانه، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكره. بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة، فإن كانت موافقة لها، فهي حق، وصدق، وكرامة من الله سبحانه، وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك؛ فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان؛ فلبس عليه) . اهـ.
    وقال الدكتور تقي الدين الهلالي شيخ التوحيد والسنة في بلاد المغرب – بل في كثير من بلاد العالم الإسلامي – رحمه الله تعالى -: (.. ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق، وما في عالم الغيب – ليس دليلاً على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق، ولا على ولايته لله البتة؛ فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان، وقد سمعنا وقرأنا أن العباد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام) . اهـ.
    (إذن، فيجب على كل مسلم التحقق من ذلك، ولا يجوز القطع بولاية كل من فعل خارقاً من خوارق العادات؛ لأن الغاية من خرق العادة عند المشعوذين: التلبيس على المسلمين في دينهم، كما كانت الشياطين تخدع المشركين، فتدخل في أجواف الأصنام وتصدر أصواتاً، يظنون أن أصنامهم تتحدث إليهم، أو تحركها الشياطين من مكانها، فيظنوا أنها تتحرك من تلقاء نفسها.
    ولقد ذكر الشعراني أن الشيطان كان يدخل في أجواف الأصنام، والغربان، والعصافير، ويتكلم على ألسنتها بما شاء، حتى عبدت من دون الله) .
    من القادر على التمييز بين (الأحوال الرحمانية) و(الأحوال الشيطانية)؟
    يتمكن إبليس من الإنسان على قدر حظه من العلم، فكلما قل علمه اشتد تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم قل تمكنه منه؛ ولذلك لا تشتبه (الكرامة الرحمانية) بالحال (الشيطانية) إلا عند الجهال، وأهل الأهواء، بخلاف أهل العلم والبصيرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبي الكذاب، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول الله رب العالمين، وموسى، والمسيح، وغيرهم، وبين مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطلحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباباه الرومي، وغيرهم من الكذابين، وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين، وأولياء الشيطان الضالين) . اهـ.
    وقال ابن الجوزي رحمه الله:
    (ومن العباد من يرى ضوءاً أو نوراً في السماء، فإن كان في رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: فتحت لي أبواب السماء، وقد يتفق له الشيء الذي يطلبه، فيظن ذلك كرامة، وربما كان اختباراً، وربما كان من خدع إبليس، والعاقل لا يساكن شيئاً من هذا، ولو كان كرامة) .
    كان أبو ميسرة فقيه المغرب يختم كل ليلة في مسجده، فرأى ليلة نورا قد خرج من الحائط، وقال: تمل من وجهي؛ فأنا ربك، فبصق في وجهه، وقال: (اذهب يا ملعون) ، فطفئ النور .
    (وكم اغتر قوم بما يشبه الكرامات، فقد روينا بإسناد عن حسن عن أبي عمران قال: قال لي فرقد: (يا أبا عمران، قد أصبحت اليوم وأنا مهتم بضريبتي، وهي ستة دراهم، وقد أهل الهلال وليست عندي، فدعوت، فبينما أنا أمشي على شط الفرات إذا أنا بستة دراهم، فأخذتها فوزنتها، فإذا هي ستة لا تزيد ولا تنقص)، فقال: (لا تصدق بها، فإنها ليست لك)، قلت: -أبو عمران هو إبراهيم النخعي فقيه أهل الكوفة- فانظروا إلى كلام الفقهاء، وبعد الاغترار عنهم، وكيف أخبره أنها لقطة، ولم يلتفت إلى ما يشبه الكرامة، وإنما لم يأمره بتعريفها لأن مذهب الكوفيين أنه لا يجب التعريف لما دون الدينار، وكأنه إنما أمره بالتصدق بها لئلا يظن أنه قد أكرم بأخذها وإنفاقها.
    وبإسناد عن إبراهيم الخراساني أنه قال: احتجت يوماً إلى الوضوء، فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة، رأسه ألين من الخز، فاستكت بالسواك، وتوضأت بالماء، وتركتهما وانصرفت.
    قلت: في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز، ولكن قل علمه فاستعمله، وإن ظن أنه كرامة، والله تعالى لا يكرم بما يمنع استعماله شرعاً، إلا إن أظهر له ذلك على سبيل الامتحان) .
    قال القشيري: (قال إبراهيم الخواص: طلبت الحلال في كل شيء حتى طلبته في صيد السمك، فأخذت قصبة، وجعلت فيها شعرا، وجلست على الماء، فألقيت الشص، فخرجت سمكة، فطرحتها على الأرض، وألقيت ثانية، فخرجت لي سمكة. إذ من ورائي لطمة لا أدري من يد من هي، ولا رأيت أحداً وسمعت قائلاً يقول: أنت لم تصب رزقاً في شيء إلا أن تعمد إلي من يذكرنا فتقتله. قال إبراهيم: فقطعت الشعر، وكسرت القصبة، وانصرفت) .
    ولو أن هذا الصوفي تدبر قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة: 96]، لجزم قاطعا بأن اللاطم لم يكن سوى إبليس؛ إذ الله لا يعاقب على صيد ما أباحه، ولا يحرم صيد الأسماك؛ لأنها تذكر الله عز وجل؛ فإنه ما من شيء إلا يسبح بحمده ويذكره، ولو تركنا ذبح الأنعام –وهي تذكر الله- تعالى-أيضا، لم يكن لنا ما يقيم قوى الأبدان.
    وذكر محمد بن أبي الفضل الهمداني المؤرخ قال: حدثني أبي قال: كان السرمقاني المقرئ يقرأ على ابن العلاف، وكان يأوي إلى المسجد بدرب الزعفراني، واتفق أن ابن العلاف رآه ذات يوم في وقت مجاعة، وقد نزل إلى دجلة، وأخذ منه أوراق الخس مما يرمي به أصحابه، وجعل يأكله، فشق ذلك عليه، وأتى إلى رئيس الرؤساء، فأخبره بحاله، فتقدم إلى غلام بالقرب إلى المسجد الذي يأوي إليه السرمقاني أن يعمل لبابه مفتاحاً من غير أن يعلمه، ففعل وتقدم إليه أن يحمل كل يوم ثلاثة أرطال خبزاً سميداً، ومعها دجاجة، وحلوى سكرا، ففعل الغلام ذلك، وكان يحمله على الدوام، فأتى السرمقاني في أول يوم فرأى ذلك مطروحاً في القبلة، ورأى الباب مغلقاً فتعجب، وقال في نفسه: هذا من الجنة، ويجب كتمانه، وأن لا أتحدث به، فإن من شروط الكرامة كتمانها، وأنشدني:
    المبحث الخامس: الفرق بين المعجزة والكرامة
    الفرق بين المعجزة والكرامة: أن المعجزة تكون مقرونة بدعوى النبوة. بخلاف الكرامة فإن صاحبها لا يدعي النبوة وإنما حصلت له الكرامة باتباع النبي والاستقامة على شرعه. فالمعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة.
    وذهب بعض الأئمة من العلماء: إلى أن كرامات الأولياء في الحقيقة تدخل في معجزات الأنبياء لأن الكرامات إنما حصلت للولي باتباع الرسول، فكل كرامة لولي هي من معجزات رسوله الذي يعبد الله بشرعه.
    ومن هذا يتبين أن إطلاق المعجزة على خوارق الأنبياء والكرامة على خوارق الأولياء معنيان اصطلاحيان ليسا موجودين في الكتاب والسنة وإنما اصطلح عليهما العلماء فيما بعد وإن كانا في مدلولهما يرجعان إلى ما تقرر في النصوص من الحق.
    مما يتعلق بتمييز الكرامة عن غيرها من خوارق العادات؛ التمييز بين الولي الذي يجوز أن تحدث له الكرامة، وبين من هو أعلى منه منزلة؛ وهو النبي، أو من يدعي مثل منزلته كذباً وبهتاناً، وهو المشعوذ والساحر وغيرهم.
    فأما الفرق بين النبي والولي من جهة الخارق الذي يجري على يد كل منهما، فقد علمنا أن النبي تجري على يده المعجزات، وهي نوعان، سماها ابن تيمية معجزات كبرى، وهي دليل صدقه، ونوع من التوابع والنوافل سماها معجزات صغرى.
    والولي تحدث على يده الكرامات، وقد تشتبه بالمعجزات الصغرى، أو تماثلها، ولكن النبي يختص بالعصمة دون الولي، فالمعجزة للنبي دليل على عصمته من الخطإ فيما أرسل من أجله؛ وهو التشريع.
    أما الولي فكرامته إنما تدل على صدق النبي الذي آمن به هذا الولي، واتبعه في شريعته، ولا تدل بحال على عصمته هو من أن يخطئ في بعض أعماله أو عباداته أو توجيهاته لأنه لم يرسل ويصطف من الله –عز وجل- لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه، أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض .
    الكرامة تدل على الولاية، لكنها لا تدل على العصمة:
    ومن هنا وجبت طاعة النبي مطلقا، بينما لا تجب طاعة الولي مطلقاً، إلا فيما عليه دليل شرعي واضح، وفارق آخر بين المعجزة والكرامة؛ هو أن الكرامة تحدث بحسب حاجة الولي، فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه؛ جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيق عليه، أو على من يدعو له؛ جاءه من ذلك ما يفرج كربته ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات؛ فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم.
    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: (وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله.
    ومن هنا، ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم؛ فإن الحواريين –مثلاً- كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة فظنوا أن ذلك يستلزم عصمتهم، كما يستلزم عصمة الأنبياء فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون وهذا غلط).
    والحقيقة أن كثيراً من المسلمين –أيضا- قد وقع فيما وقع فيه النصارى من الخطإ الذي ذكره ابن تيمية، فبمجرد أن يشتهر شخص بشيء من الكرامات ترتفع درجة الثقة في أقواله، وتوجيهاته، وأوامره، ونواهيه، إلى حد أن أكثر الناس لا يقبل فيها جدلاً البتة .
    الباب الخامس: المسائل الفقهية الواردة في كتب العقيدة
    الفصل الأول: المسح على الخفين
    من أقدم الأئمة الذين قرروا تلك المسألة: الإمام سفيان الثوري في عقيدته حيث قال مخاطباً من سأله عن معتقده:
    (يا شعيب بن حرب، لا ينفعك ما كتبت لك حتى ترى المسح على الخفين دون خلعهما أعدل عندك من غسل قدميك) .
    بل قال سفيان الثوري: (من لم يمسح على الخفين فاتهموه على دينكم) .
    وعد سهل بن عبد الله التستري المسح على الخفين من خصال أهل السنة .
    كما قرر ذلك أبو حنيفة وأبو الحسن الأشعري في كتابه (الإبانة) ، والطحاوي في (عقيدته) ، وابن بطة في (الإبانة الصغرى) ، والبربهاري في (شرح السنة) ، وابن خفيف في (عقيدته) ، وأبو عمرو الداني في (الرسالة الوافية) .
    ووجه إيراد مسألة المسح على الخفين ضمن كتب الاعتقاد: مخالفة الروافض والخوارج الذين لا يجيزون المسح على الخفين، وكما قال الإمام محمد بن نصر المروزي: (وقد أنكر طوائف من أهل الأهواء والبدع من الخوارج والروافض المسح على الخفين) .
    وقال الإمام النووي: (أجمع من يعتد به في الإجماع على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر سواء كان لحاجة أو لغيرها... وإنما أنكرته الشيعة والخوارج ولا يعتد بخلافهم) .
    وجاء عن الإمام الشعبي أنه قال: (واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله: (وقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين، وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ذلك) .
    وقال في موضع آخر: (وكان سفيان الثوري يذكر من السنة المسح على الخفين؛ لأن هذا كان شعاراً للرافضة) .
    يقول العلامة الطحاوي: (وَنَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ).
    يريد بذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة المتبعين للآثار لا يُعَارِضُون الآثار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام بالأقْيِسَةْ أو بالدِّلالات العقلية، وإنما يجعلونها مُقَدَّمَةً على ما هو دونها من القياس والدلالة العقلية ونحو ذلك؛ لأنَّ منهج الاستدلال عندهم أنْ يُؤْخَذَ بما جاء في الكتاب والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء في القرآن حق وما جاءت به السنة حق، والحق يعضد الحق ولا يعارضه أو يناقضه؛ بل هذا يدل على هذا كما السنة تدل على القرآن وتُبَيِّنُهْ.
    وهذه المسألة كما هو ظاهر مسألة المسح على الخفين هي من مسائل الفقه لا من مسائل العقيدة؛ ولكن أُدْخِلَتْ في مسائل الاعتقاد لأجل أنَّ أهل السنة تميَّزُوا عن عدد من الفرق بأنَّهُمْ يرون المسح على الخفين، والمخالف في ذلك هم الخوارج -أعني طائفةً منهم- والرافضة وعدد من الناس مختلفون في أماكنهم لا يُنْسَبُونَ إلى فرقة من الفرق.
    فلأجل مخالفة تلك الفرق صارت المسألة من المسائل العقدية؛ لأنَّهَا تُمَيِّزْ أهل العقيدة الحقة من الفرق الباطلة، فصارت هذه المسألة وهي المسح على الخفين صارت عَلَمَاً يُفَرَّقُ به ما بين السني وما بين الرافضي والخارجي ونحوهما.
    ولهذا فإنَّ مسائل الاعتقاد أعني المسائل التي تُذْكَرْ في العقيدة في مصنفات أهل السنة في الماضي وفي الحاضر على أقسام منها:
    القسم الأول: ما هو في بيان الأركان الستة.
    القسم الثاني: ما تميَّز به أهل السنة عن غيرهم في مسائل المعاملة؛ معاملة ولاة الأمر أو معاملة المبتدع أو معاملة العصاة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التعامل مع صحابة رسول الله? وزوجاته? وهكذا.
    وأمَّا المسح على الجوارب فليس كذلك؛ لأنَّهُ نُقِلَ عن نحو سبعة أو ثمانية من الصحابة أو أكثر بقليل، ولهذا المسح على الجوربين فيه خلافٌ فقهي معروف عند أهل السنة.
    أما المسح على الخفين فهو أصل من الأصول العظيمة في العمل؛ لأنَّ النبي تواتَرَ عنه المسح وفَعَلَهُ صحابته وتواتر عنهم ونقلوه نقلاً قولياً وعملياً.
    والآثار في مسحه على الخفين في أسفاره وفي الحضر أيضاً، كما قال ((يمسح المقيم يوما وليلة، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن)) ، فهذا معنى قوله في السفر والحضر؛ لأنَّ السُّنَّةَ ماضية في هذا وهذا.
    المسألة الثالثة:
    مما أُسْتُدِلَّ به على المسح على الخفين من القرآن قوله: في آية الوضوء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، اسْتُدِلَّ به على أنَّ المسح هنا -مسح الأرجل- يُرَادُ به المسح على الخفين، والقراءة هكذا بالجر هي أحد القراءتين السبعيَّتَين، هاهنا قراءتان:
    القراءة الأولى {وَأَرْجُلَكُمْ} بنصب الأرْجُل عطفاً على المغسولات.
    والثانية {وَأَرْجُلِكُمْ} عَطْفَاً على الرأس عند أصحاب هذا القول؛ يعني فتكون مجرورة.
    وهذا الاستدلال فيه نظر، وإن كان محلُّهُ كتب الفقه؛ لكن من باب الاستطراد نذكره، فيه نظر لأنَّ المسح على الخفين لا يكون إلى الكعبين، وإنما يَمْسَحُ ظاهر الخف على ظاهر القدم، وليست السُّنَّة أن تُسْتَوعَبْ الرجل مسحاً إلى الكعبين، ولهذا صار القول الظاهر في الآية على قراءة الجر أنَّ لها توجيهين:
    (التوجيه الأول: أن يكون هذا الجر لأجل المجاورة، والجر بالمجاورة أسلوب عربي معروف كثير الاستعمال، ومنه قول الله {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26]، مع أنَّ الألم وصف للعذاب، وأما اليوم فهو ظرف ولا يُوصف اليوم بأنه مؤلم أو ليس بمؤلم، ولهذا صار الظاهر هنا في هذه الآية أنَّ معناها إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم، يعني عذاباً أليماً في يوم، كما هو القول الأظهر من قولي العلماء هنا.
    وجُرَّ هنا لأجل المجاورة فهي أسهل في اللفظ ولأجل الختام قال {عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}، وأما في لغة العرب فهو كثير معروف ومنه قول الشاعر:
    فظلّ طُهَاةُ اللحم ما بين مُنْضِجٍ خفيفاً شواءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
    (ما بين منضج خفيفاً شواء)؛ لأنها مفعول لاسم الفاعل.
    (خفيف شواء) فجر شواء لأنها مضاف إليه.
    ثم قال (أو قديرٍ) مع أنَّ حقها أن يقول أو قديراً لأنها معطوفة على ما يُنْضَجْ لكنه جَرَّهَا بالمجاورة.
    (التوجيه الثاني: أنَّ قراءة الجر إذا كانت معطوفة على الرأس فإنه يكون المسح هنا بأنَّ العطف في مقام تسليط الفعل الأول على الجملة الثانية أو على الاسم الثاني.
    فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين.
    والمسح هنا لما جَعَلَ له غاية وهي أنه إلى الكعبين دلَّ على دخول الكعبين في المسح، وهذا يدل على أنَّ المسح المراد به هنا الغسل الخفيف؛ لأنَّ العرب تُطْلِقُ على الغسل مسحاً لأنَّهُ إمرارٌ خفيف وهو موجودٌ في اللغة، ومنه قوله تعالى: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 33] يعني مَرَّ عليها قتلاً على خفة.
    فالمسح يكون بمرورٍ على خِفَّة، فالمسح الذي هو من الغَسْلْ هو غسل خفيف وهو مستعمل عندهم حيث يقولون مثلاً: تَمَسَّحْتُ للصلاة إذا أراد أن يكون وضوؤه خفيفاً.
    المسألة الرابعة:
    قراءة الجر هذه بأبْعَدَ من أن تكون دليلاً على المسح على الخفين؛ قيل إنَّهَا دليلٌ على إبطال المسح على الخفين، وهذا هو الذي يتوجه إليه من يتكلم على الآية وذَكَرَهُ عندكم الشارح والرَّدُّ بَأَوْجَهْ أن يكون بالوجهين السالفين.
    الحكم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة وأهل البدع وهو المسح على الخفين لا ينكره إلا مخذول أو مبتدع خارج عن جماعة المسلمين أهل الفقه والأثر لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز والعراق والشام وسائر البلدان إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين وقالوا إنه خلاف القرآن وعسى القرآن نسخه ومعاذ الله أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله بل بين مراد الله منه كما أمره الله عز وجل في قوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. [النحل: 44] وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} الآية [النساء: 65].
    والقائلون بالمسح جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين قديما وحديثا وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل معنى القرآن أعاذنا الله من الخذلان.
    روى ابن عيينة والثوري وشعبة وأبو معاوية وغيرهم عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال: ((رأيت جريرا يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا فقال وما يمنعني أن أفعله وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله)).
    قال إبراهيم: فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا الحديث ويستبشرون به لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
    وعن... جرير بن عبد الله قال: ((وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على خفيه بعد ما أنزلت سورة المائدة)).....
    عن همام بن الحارث قال: ((رأيت جرير بن عبد الله يتوضأ من مطهرة ومسح على خفيه فقالوا أتمسح على خفيك فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على خفيه)) وكان هذا الحديث يعجب أصحاب عبد الله يقولون إنما كان إسلامه بعد نزول المائدة.
    عن إبراهيم عن همام قال: ((بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له أتفعل هذا وقد بلت فقال نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه)) قال إبراهيم: وكان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة.
    وعن إبراهيم عن همام بن الحارث ((عن جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه وصلى فسئل عن ذلك فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا)).
    وكان يعجبهم هذا الحديث من أجل أن جريرا كان من آخر من أسلم.
    عن بكير بن عامر بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير أن جريرا بال ثم توضأ ومسح على الخفين فقيل له في ذلك فقال ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
    وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة واستفاض وتواتر وأتت به الفرق إلا أن بعضهم زعم أنه كان قبل نزول المائدة وهذه دعوى لا وجه لها ولا معنى.
    وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله قال أدركت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يمسح على خفيه.
    وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين أجمعين وفقهاء المسلمين في جميع الأمصار وجماعة أهل الفقه والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في الحضر والسفر للرجال والنساء.......
    ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين وأمر بالمسح عليهما في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن مسعود وأنس بن مالك والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان والمغيرة وسليمان وبلال وخزيمة بن ثابت وعمرو بن أبي أمية وعبد الله بن الحارث بن جرير الزبيري وأبو أيوب وجرير وأبو موسى وعمار وسهل بن سعد وأبو هريرة.
    ولم يرو عن غيرهم منهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة.
    الفصل الثاني: مسائل فقهية أخرى
    1- الطهارة:
    - إذا كان الإسلام وسطاً بين الملل، فإن أهل السنة وسط بين النحل؛ ففي الطهارة كان الإسلام وسطاً بين تشدد اليهود وتفريط النصارى، كما أن أهل السنة وسط بين الإفراد والتفريط في هذا الباب.
    يبين شيخ الإسلام وسطية الإسلام في باب الطهارة قائلاً: (فإن التشديد في النجاسات جنساً وقدراً هو دين اليهود، والتساهل هو دين النصارى، ودين الإسلام هو الوسط) .
    ويقول في موضع آخر: (ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين: هؤلاء في طرف، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط... إلى أن قال: فالنصارى حللوا الخنزير وغيره من الخبائث. كما أسقطوا الختان وغيره، وأنواع الطهارة من الغسل وإزالة النجاسة وغير ذلك. واليهود بالغوا في اجتناب النجاسات) .
    وأما عن وسطية أهل السنة بين الإفراط والتفريط الواقع عند طوائف المبتدعة، فأهل السنة مجانبون للتشدد والإفراط، فيأمرون بالصلاة في النعال مخالفة لليهود ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) .
    وقال ابن القيم: (ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال، وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلاً منه وأمراً) .
    ويجيز أهل السنة الصلاة في السراويل خلافاً للخوارج.
    قال البربهاري: (ولا بأس بالصلاة في السراويل) .
    وقال الملطي: (ومن شذوذ الحرورية في الفروع إذا تطهر منهم الرجل لا يبرح ولا يمشي حتى يصلي في مكانه؛ لأنه إذا مشى تحرك شرجه، ولا يصلون في السراويل) .
    وجانب أهل السنة تعنت الرافضة الذين زعموا أن سؤر الكافر نجس، بل قالوا بتنجيس المائعات التي يباشرها أهل السنة، وكل ذلك تأثراً باليهود السامرة التي تحرم وتنجس ما باشره غيرهم من المائعات .
    ومن تشدد الرافضة: إيجابهم الابتداء باليمين في اليدين والرجلين عند الوضوء ، ولذا قال الإمام النووي: (وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في الوضوء سنة، ولو خالفها فاته الفضل وصح الوضوء، وقال الشيعة هو واجب، ولا اعتداد بخلاف الشيعة) .
    كما جانب أهل السنة أيضاً التفريط في باب الطهارة؛ فالرافضة – مثلا- خالفوا الأدلة في اعتبار المذي من موجبات الوضوء، فحكم الرافضة بطهارة المذي وعدم انتقاض الوضوء بخروج المذي .
    وأوجب الشيعة مسح الرجلين ببقية البلل إلا في حال التقية ، وقال بعض طوائف المعتزلة بالتخيير بين مسح الرجلين وبين غسلهما.
    قال النووي: (أجمع العلماء على وجوب غسل الوجه واليدين والرجلين، وانفردت الرافضة عن العلماء، فقالوا: الواجب في الرجلين المسح، وهذا خطأ منهم؛ فقد تظاهرت النصوص بإيجاب غسلهما) .
    وقال شيخ الإسلام: (ومن مسح على الرجلين فهو مبتدع مخالف للسنة المتواترة وللقرآن، ولا يجوز لأحد أن يعمل بذلك مع إمكان الغسل) .
    وقال في موطن آخر: (فالقدم كثيراً ما يفرط المتوضئ بترك استيعابها، حتى قد اعتقد كثير من أهل الضلال أنها لا تغسل، بل فرضها مسح ظاهرها عند طائفة من الشيعة، والتخيير بينه وبين الغسل عند طائفة من المعتزلة) .
    2- الصلاة:
    أ- ومن ذلك ترك الجهر بالبسملة – في الصلاة الجهرية – حيث قال الإمام سفيان الثوري في اعتقاده: (وإخفاء البسملة أفضل من الجهر) .
    وقال ابن بطة: (من السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) .
    وذلك مخالفة للرافضة الذين يستحبون الجهر بالبسملة في مواضع الإخفات ، وكان سفيان الثوري إمام أهل الكوفة، وقد ظهر فيهم الرفض، حتى قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: (لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئاً)، ولذا أظهر سفيان مخالفتهم بترك الجهر بالبسملة، لاسيما أن الرافضة قد وضعوا أحاديث في الجهر بالبسملة وهذه المسألة خلافية بين أهل السنة أنفسهم؛ فمنهم من استحب الجهر بالبسملة محتجاً بأدلة، ومنهم من استحب إخفاءها لأدلة .
    والمقصود من إيرادها بيان ما كان عليه أئمة السلف من مجانبة المبتدعة والحذر من موافقتهم؛ ففي هذه الحالة تكون مصلحة مخالفتهم والتمييز عنهم بترك الجهر بالبسملة آكد من مصلحة هذا المستحب – أي الجهر بالبسملة – كما حقق ذلك شيخ الإسلام تحقيقاً دقيقاً فقال: (الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعاً لم يترك لمجرد فعل أهل البدع ، لا الرافضة ولا غيرهم وأصول الأئمة كلهم توافق هذا.
    إلى أن قال: فالجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تكلم في الشافعي بسببها، ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية؛ لأن المعروف في العراق أن الجهر كان من شعار الرافضة، حتى إن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ترك الجهر بالبسملة؛ لأنه كان عندهم من شعار الرافضة.. ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة.
    ثم قال: إنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحباً، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنه لم يترك واجباً بذلك، لكن قال في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب، وهذا الذي ذهب إليه يحتاج إليه في بعض المواضع إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب، لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائماً) .
    ومما يؤكد هذا التحقيق أن المروي عن الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – أن الجهر بالبسملة غير مسنون ، ومع ذلك استحب الجهر بها لمصلحة راجحة، حتى إنه نص على أن من صلى بالمدينة يجهر بها؛ لأن أهل المدينة كانوا ينكرون على من يجهر بها .
    ب- ومن مسائل الصلاة: المبادرة بصلاة المغرب إذا دخل وقتها.
    قال ابن بطة: (ومن السنة المبادرة بصلاة المغرب إذا غاب حاجب الشمس قبل ظهور النجوم) .
    وذلك مخالفة لليهود ومن تأثر بهم من الرافضة كما في مقالة الإمام الشعبي –رحمه الله-: (واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم.. وكذلك الرافضة) .
    قال النووي: (قد ذكرنا إجماعهم على أن أول وقتها غروب الشمس، وحكى الماوردي وغيره عن الشيعة أنهم قالوا: لا يدخل وقتها حتى تشتبك النجوم، والشيعة لا يعتد بخلافهم) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- عن الرافضة: (فلهذا تجد فيما انفردوا به عن الجماعة أقوالاً في غاية الفساد، مثل تأخيرهم صلاة المغرب حتى يطلع الكوكب مضاهاة لليهود، وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعجيل المغرب) .
    وقال في موضع آخر: (وهكذا روى أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تزال أمتي بخير –أو على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم)) ورواه ابن ماجة من حديث العباس ، ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد .
    وقد جاء مفسراً تعليله: (لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم، مضاهاة لليهود...) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الصلت بن بهرام، عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم مضاهاة لليهودية)) .
    ومما يحسن إلحاقه بهذه المسألة: ما قرره ابن تيمية من مشروعية الفصل بين الفرض والنفل في صلاة الجمعة، لما جاء في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ((نهى أن توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بقيام أو كلام)) ثم علل ابن تيمية ذلك بقوله: (فإن كثيراً من أهل البدع لا ينوون الجمعة بل ينوون الظهر، ويظهرون أنهم سلموا، وما سلموا، فيصلون ظهراً، ويظن الظان أنهم يصلون السنة، فإذا حصل التمييز بين الفرض والنفل كان في هذا منع لهذه البدعة) .
    د- يقرر أهل السنة مشروعية إقامة صلاة التراويح – كما هو مبسوط في موضعه– خلافاً للروافض القائلين بأنها بدعة حدثت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
    قال الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر: (والتراويح في ليالي شهر رمضان سنة) .
    وقال الملا علي قاري في شرحه للفقه الأكبر: (وفيه رد على الروافض) .
    وقال أبو عبد الله محمد بن خفيف في (عقيدته): (والتراويح سنة) .
    وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن السنة صلاة التراويح في شهر رمضان في الجماعة) .
    ولما سئل ابن تيمية عمن يصلي التراويح قبل العشاء الآخرة، كان من جوابه: (ولكن الرافضة تكره صلاة التراويح؛ فإذا صلوا قبل العشاء الآخرة لا تكون هي صلاة التراويح.. فمن صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة) .
    وإذا تقرر – عند أهل السنة – استحباب صلاة التراويح خلافاً للرافضة، فإن أهل السنة وسط في هذا الباب بين غلاة المتعبدة الذين أوجبوا قيام الليل، وبين الروافض الجفاة، كما بين ذلك ابن تيمية بقوله: (وغلاة العباد يوجبون على أصحابهم صلاة الضحى والوتر وقيام الليل، فتصير الصلاة عندهم سبعاً، وهو دين النصارى، والرافضة لا تصلي جمعة ولا جماعة، لا خلف أصحابهم ولا غير أصحابهم، ولا يصلون إلا خلف المعصوم، ولا معصوم عندهم) .
    هـ- ومسائل الصلاة التي قررها أهل السنة في كتب العقيدة كثيرة يتعسر حصرها، لكن أشير في خاتمة هذا المبحث إلى بعضها على سبيل الاختصار:
    - قرر أهل السنة مشروعية قصر الصلاة في السفر – كما جاءت به السنة – وكما قال الإمام المزني – في عقيدته: (وإقصار الصلاة في الأسفار) .
    كما قرر ذلك البربهاري ، وقوام السنة الأصفهاني ، خلافاً لبعض الخوارج الذين لا يجيزون القصر إلا مع الخوف .
    - توسط أهل الحديث في مسألة القنوت بين من كره القنوت في الفجر مطلقاً عند النوازل وغيرها ، وبين من استحبها عند النوازل وغيرها، كما حكاه ابن القيم .
    قال ابن بطة: (ومن السنة ألا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا تقنت في الفجر إلا أن يدهم المسلمين أمر من عدوهم، فيقنت الإمام فيتبعه) .
    - ومن المسائل التي يمكن إلحاقها ها هنا: أن لا يفرد بالصلاة على أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله خلافاً للروافض.
    وقد قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: (لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم).
    وقد قاله لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – فهذا مكروه منهي عنه .
    ولذا قال البربهاري: (ولا تفرد بالصلاة على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آهل فقط) .
    ومما سطره ابن القيم أثناء تحريره مسألة (الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأزواجه) ما يلي: (وإن كان شخصاً معيناً أو طائفة معينة كره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً لا يخل به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها نظيره أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي رضي الله عنه؛ فإنه حيث ذكره قالوا: عليه الصلاة والسلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع لا سيما إذا اتخذ شعاراً لا يخل به، فتركه حينئذ متعين) .
    3- الجنازة:
    أ- قرر أهل السنة مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة.
    كما قال الإمام الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) .
    وقال البربهاري: (والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة) .



  9. #309
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    وقرر قوام السنة الأصفهاني هذه المسألة بقوله: (فمن مذهبهم الصلاة على من مات من أهل القبلة) .
    وإذا تقرر مشروعية الصلاة على من مات من أهل القبلة، ففي ذلك رد على الخوارج – ومن تبعهم الذين يكفرون مرتكب الكبيرة فلا يصلون عليه، كما أن في هذا التقرير إجراء لأحكام الإسلام على أهل القبلة باعتبار ظواهرهم والله عز وجل يتولى سرائرهم.
    ب- ومما قرره علماء أهل السنة في هذا المقام أن الأموات – من المسلمين- ينتفعون بدعاء الأحياء وصدقاتهم كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة.
    قال الأشعري: (ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم، ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك) .
    وقال الطحاوي: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) .
    وفي هذا التقرير رد على المبتدعة الذين ينكرون ذلك، وكما قال النووي: (وأما ما حكاه الماوردي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل قطعاً وخطأ بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه) .
    وقال ابن أبي العز الحنفي: (وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء ألبتة لا الدعاء ولا غيره) .
    وصرح الشوكاني بأنهم المعتزلة .
    4- الحج:
    قرر أئمة أهل السنة أن متعة الحج سنة ثابتة، فتوسطوا بين من أوجبها وحرم ما عداها – كالشيعة - وبين من حرم المتعة – كالناصبة.
    قال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة الحج سنة ثابتة) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب أو يمنع ذلك؛ فمن الشيعة من يوجب المتعة ويحرم ما عداها، ومن الناصبة من يحرم المتعة ولا يبيحها بحال) .
    وما ظهر للإمام أحمد بن حنبل –رحمه الله- استحباب متعة الحج قرر ذلك وأظهره (حتى قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قويت قلوب الرافضة لما أفتيت أهل خراسان بالمتعة، فقال: يا سلمة! كان يبلغني عنك أنك أحمق، وكنت أدفع عنك، والآن، فقد ثبت عندي أنك أحمق، عندي أحد عشر حديثاً صحاحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أتركها لقولك؟) .
    فالأصل أن ما كان مشروعاً لم يترك لمجرد فعل أهل البدع، لكن إن كان في فعل المستحب مفسدة راجحة مثل مشابهة المبتدعة، فإن مصلحة التميز عنهم آكد من مصلحة هذا المستحب ، كما سبق تقريره.
    5- النكاح:
    توسط أهل السنة في هذا الباب بين من أحل ما حرم الله تعالى؛ كمن أباح نكاح المتعة، وأشنع من ذلك من أباح نكاح التحليل، وبين من حرم ما أحل الله تعالى؛ كمن حرم نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فأحل أهل السنة ما أحل الله تعالى ورسوله وحرموا ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
    وقرر أهل السنة في عقائدهم حرمة نكاح التحليل والمتعة؛ حيث قال ابن بطة: (ومن السنة أن يعلم أن المتعة حرام إلى يوم القيامة) .
    وقال البربهاري: (واعلم أن المتعة – متعة النساء- والاستحلال حرام إلى يوم القيامة) .
    وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومتعة النساء حرام إلى يوم القيامة) .
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه صلى الله عليه وسلم حرم المتعة بعد إحلالها) .
    وتحدث شيخ الإسلام عن شناعة نكاح التحليل، فكان مما قاله: (يوجد في نكاح التحليل من الفساد أعظم مما يوجد في نكاح المتعة ؛ إذ المتمتع قاصد للنكاح إلى وقت، والمحلل لا غرض له في ذلك؛ فكل فساد نهى عنه المتمتع فهو في التحليل وزيادة؛ ولهذا تنكر قلوب الناس التحليل أعظم مما تنكر المتعة، والمتعة أبيحت أول الإسلام، وتنازع السلف في بقاء الحل، ونكاح التحليل لم يبح قط، ولا تنازع السلف في تحريمه.
    ومن شنع على الشيعة بإباحة المتعة مع إباحته للتحليل فقد سلطهم على القدح في السنة، كما تسلطت النصارى على القدح في الإسلام بمثل إباحة التحليل، حتى قالوا: إن هؤلاء قال لهم نبيهم: إذا طلق أحدكم امرأته لم تحل له حتى تزني؛ وذلك أن نكاح التحليل سفاح كما سماه الصحابة بذلك) .
    وبسط ابن القيم الحديث عن قبائح التحليل ومفاسده، فكان مما قاله: (وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيراً ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أفضح الفضائح، وقد قلبت من الدين رسمه، وغيرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل.
    إلى أن قال: ثم سل من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفرداً بوطئها، فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان، فلعمر الله كم أخرج التحليل مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها...) .
    وجاء تقرير حرمة نكاح المتعة خلافاً للروافض الذين يزعمون أن (متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، ويوردون في فضائلها أخباراً كثيرة موضوعة ومفتراة) .
    وقد حكى الإجماع على تحريم نكاح المتعة غير واحد من الأئمة، كما بينه الحافظ ابن حجر بقوله: (قال ابن المنذر: لا أعلم اليوم أحداً يجيزها إلا بعض الروافض، ولا معتمد لقول يخالف كتاب الله وسنة رسوله. وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته؛ فقد صح عن علي أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة، فقال: هي الزنا بعينه. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض) .
    وأباح جمهور السلف الصالح نكاح المحصنات من أهل الكتاب، كما جاء في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5] وحرم الرافضة ما أحل الله فمنعوا نكاح الكتابيات .
    قال ابن تيمية عن أولئك الروافض: (هؤلاء يحرمون نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وهذا ليس من أقوال أحد من أئمة المسلمين المشهورين بالفتيا، ولا من أقوال أتباعهم، وهو خطأ مخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم) .
    6- الأطعمة والأشربة:
    أ- عني أهل السنة بأكل الحلال تقريراً وتحقيقاً، فأثبتوه في عقائدهم، حتى قال الفضيل بن عياض: (إن لله عباداً يحيي بهم البلاد والعباد، وهم أصحاب سنة، من كان يعقل ما يدخل جوفه من حله كان في حزب الله تعالى) .
    وقال سهل بن عبد الله التستري: (أصولنا ستة: التمسك بالقرآن، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) .
    ووصف شيخ الإسلام الصابوني أهل الحديث أنهم يتواصون بالتعفف في المآكل والمشارب والمنكح والملبس .
    وقال قوام السنة الأصفهاني: (ومن مذهب أهل السنة التورع في المآكل والمشارب والمناكح) .
    ب- ومع تحرز أهل السنة في الأطعمة والأشربة وحرصهم على أكل الحلال.. إلا أنهم لم يتشددوا في ذلك فلم يحرموا ما أحل الله تعالى؛ كما وقع فيه بعض أهل البدع، بل كانوا وسطاً بين أهل الفجور والشهوات، وبين أصحاب الرهبانية والتشدد الذين حرموا ما أحل الله من الطيبات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87-88].
    قال شيخ الإسلام: (نهى سبحانه عن تحريم ما أحل من الطيبات، وعن الاعتداء في تناولها، وهو مجاوزة الحد، وقد فسر الاعتداء في الزهد والعبادة بأن يحرموا الحلال ويفعلوا من العبادة ما يضرهم، فيكونوا قد تجاوزوا الحد وأسرفوا، وقيل لا يحملنكم أكل الطيبات على الإسراف وتناول الحرام من أموال الناس، فإن آكل الطيبات والشهوات المعتدي فيها لابد أن يقع في الحرام لأجل الإسراف في ذلك) .
    ج- رد أهل السنة على الذين حرموا ما أحل الله تعالى، فقرروا أن البيع والشراء حلال، وكذا سائر المباحات من أنواع المكاسب والمطاعم، كما ردوا على ما ادعاه بعضهم من إطباق الحرام وخلو الأرض من الحلال.
    ولما غلب على طوائف من المتصوفة تحريم الحلال وترك المكاسب المباحة ، قام بالرد عليهم المشتغلون بعقائد الصوفية الأوائل.
    ومن ذلك ما قرره ابن خفيف بقوله: (ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع.. وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارة، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة.
    وأن مما نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع، لا أنه مفقود من الأرض) .
    وقال الكلاباذي: (أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث، وغير ذلك مما أباحته الشريعة عن تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات) .
    وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن رجل نقل عن بعض السلف من الفقهاء أنه قال: أكل الحلال متعذر لا يمكن وجوده في هذا الزمان.
    فكان من جوابه: (هذا القائل الذي قال: أكل الحلال متعذر، لا يمكن وجوده في هذا الزمان. غالط مخطئ في قوله باتفاق أئمة الإسلام، فإن مثل هذه المقالة كان يقولها بعض أهل البدع، وبعض أهل الفقه الفاسد، وبعض أهل النسك الفاسد، فأنكر الأئمة ذلك، حتى الإمام أحمد في ورعه المشهور كان ينكر مثل هذه المقالة .
    إلى أن قال: ومثل هذا كان يقوله بعض المنتسبين إلى العلم من أهل العصر، وبناء على هذه الشبهة الفاسدة، وهو أن الحرام قد غلب على الأموال لكثرة الغصوب والعقود الفاسدة ولم يتميز الحلال من الحرام.
    ووقعت مثل هذه الشبهة عند طائفة من مصنفي الفقهاء، فأفتوا بأن الإنسان لا يتناول إلا مقدار الضرورة، وطائفة لما رأت مثل هذا الحرج سدت باب الورع...) .
    د- قرر أهل السنة – في عقائدهم – إباحة المكاسب والطيبات، خلافاً لليهود ومن سلك سبيلهم من الرافضة والمعتزلة.
    يقول البربهاري: (واعلم أن الشراء والبيع حلال، ما بيع في أسواق المسلمين حلال، ما بيع على حكم الكتاب والسنة من غير أن يدخله تغيير أو ظلم) .
    وقال ابن بطة: (ولا تحرم شيئاً مما أحله الله فإن فاعل ذلك مفتر على الله، راد لقوله معتد ظالم... ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله... وحرموا الجري (ضرب من السمك لا يأكله اليهود) ولحم الجزور) .
    وقال أبو عمرو الداني: (وأكل الحلال فريضة، لقوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون: 51] وتجنب الشبهات واتقاؤها من كمال الورع، وفي ذلك السلامة من الحرام لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) ، والحلال موجود وغير معدوم، قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188]، والتجارة رزق الله، وحلال من حلال الله تعالى، ولو كان الحلال معدوماً على ما يزعمه بعض المعتزلة لصار الحرام مباحاً للضرورة) .
    وقال قوام السنة الأصفهاني: (والشراء والبيع حلال إلى يوم القيامة على حكم الكتاب والسنة) .
    هـ- قرر جمهور أهل السنة أن كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام. سواء كان من العنب أو غيره، خلافاً لأهل الكوفة الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره، فلم يحرموا من غيره إلا القدر المسكر خاصة، وأما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم عندهم .
    (وأظهر الإمام أحمد بن حنبل مذهب أهل الحديث ومخالفة الكوفيين فيما خالفوا فيه السنة، وصنف كتاب الأشربة، وكان يقرؤه على الناس، لكثرة من يشرب المسكر هناك، حتى كان يدخل الرجل بغداد – مع أنها كانت أعظم مدائن الإسلام – فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ - يعني المختلف فيه – يقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل، كما ذكر ذلك الخلال) .
    وعقد الإمام البخاري – في كتاب الأشربة – باباً بعنوان: (باب الخمر من العنب وغيره) ومراده الرد على الكوفيين الذين فرقوا بين ماء العنب وغيره.. كما قاله ابن المنير .
    وجاء هذا التحريم مقرراً في كتب الاعتقاد كما قال أبو عمرو الداني: (وكل شراب من عنب أو زبيب أو تمر أو تين أو عسل أو حنطة أسكر كثيره فقليله حرام، لقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن البتع –وهو شراب يصنع من العسل-: ((كل شراب أسكر كثيره فهو حرام)) . ) .
    وقال شيخ الإسلام الصابوني: (ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة: المتخذ من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة، أو غير ذلك مما يسكر، يحرمون قليله وكثيره) .
    وقال قوام السنة الأصفهاني: (وكل شراب يسكر كثيره فقليله حرام) .
    8- الحدود:
    قرر أهل السنة حد الرجم – في حق الزاني المحصن – في عقائدهم كما جاءت بذلك الأدلة الثابتة، خلافاً للحرورية وبعض المعتزلة المنكرين للرجم.
    قال الإمام أحمد بن حنبل في اعتقاده: (والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه البينة) .
    وقال البربهاري: (والرجم حق) .
    وقال ابن بطال: (أجمع الصحابة وأئمة الأمصار على أن المحصن إذا زنى عامداً عالماً مختاراً فعليه الرجم، ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن، وحكاه ابن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج) .
    وقال ابن قدامة: (وجوب الرجم على الزاني المحصن رجلاً كان أو امرأة، وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار، ولا نعلم فيه مخالفاً إلا الخوارج) .
    نخلص من خلال استقراء هذه الفروع الواردة في كتب الاعتقاد إلى النتائج الآتية:
    أولاً: ساق أئمة السلف جملة من الفروع والعبادات في ثنايا مصنفاتهم في العقيدة باعتبار أن دين الله تعالى يشمل الأصول والفروع، والاعتقادات والأعمال، كما جاء في مثل قوله تعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ...} الآية [البقرة: 177].
    وكما جاء في مثل حديث عمرو بن عبسة –رضي الله عنه- حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأي شيء أرسلك؟ فقال رسول الله: ((أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأصنام، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء)) .
    وإذا كان اسم الدين يشمل العقائد والأعمال، فكذلك اسم الشريعة ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال – كما هو اصطلاح غالب أهل الحديث -، كما أن (السنة)، كذلك فتستوعب كل ما سن الرسول وما شرعه في العقائد والأعمال .
    وإذا تقرر ذلك فلا إشكال في إيراد مسائل الفروع ضمن مصنفات لأهل السنة التي تسمى (السنة) أو (الشريعة) ونحوهما، وإن كانوا قد يطلقون (السنة) أو (الشريعة). على ما يتعلق بمسائل الاعتقاد فقط.
    ثانياً: يظهر من خلال الفروع الواردة وسطية أهل السنة في باب الفروع، كما كانوا وسطاً في باب الاعتقاد، فسلموا من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء.
    يقول شيخ الإسلام – في هذا الصدد-: (وقد تأملت ما شاء الله من المسائل التي يتباين فيها النزاع نفياً وإثباتاً حتى تصير مشابهة لمسائل الأهواء... فوجدت كثيراً منها يعود بالصواب فيه إلى الوسط.. وكذلك هو الأصل المعتمد في المسائل الخبرية العلمية التي تسمى أصول الدين) .
    ويقول –في موضع آخر-: (الانحراف عن الوسط كثير في أكثر الأمور في أغلب الناس) .
    ثالثاً: يتبين من خلال النظر في الفروع المذكورة أن الإفراط والتشديد يفضي إلى التفريط والتساهل، وأن تحريم الحلال يؤول إلى ارتكاب الحرام.
    كما وضحه ابن تيمية بقوله: (وهكذا من غلا في الزهد والورع حتى خرج عن الحد الشرعي، ينتهي أمره إلى الرغبة الفاسدة وانتهاك المحارم كما قد رئي ذلك وجرب) .
    فالرافضة – مثلاً – حرمت نكاح المحصنات من أهل الكتاب، فاستحلت الزنا والفواحش باسم المتعة، وقد أشار ابن بطة إلى ذلك بقوله: (ثم إن الروافض تشبهت باليهود في تحريم ما أحل الله، وردوا على الله قوله... ولعل الأكثر منهم ممن يحرم هذا يزني ويشرب الخمر) .
    كما آل أهل الورع الفاسد – الذين زعموا أن أكل الحلال متعذر – إلى الإباحية، فصار الحلال ما حل بأيديهم والحرام ما حرموا، وسبب ذلك كما بينه ابن تيمية بقوله عنهم: (لأنهم ظنوا مثل هذا الظن الفاسد وهو أن الحرام قد طبق الأرض، ورأوا أنه لابد للإنسان من الطعام والكسوة، فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكنهم، فلينظر العاقل عاقبة ذلك الورع الفاسد، كيف أورث الانحلال من دين الإسلام) .
    رابعاً: نلحظ من خلال إيراد تلك الفروع ما كان عليه السلف الصالح من تعظيم السنة وتوقيرها، وذلك بإظهارها ونشرها لاسيما عند خفائها واندراسها.
    ومن ذلك أن الإمام سفيان الثوري كان يقول: (إذا كنت بالشام فاذكر مناقب علي، وإذا كنت بالكوفة فاذكر مناقب أبي بكر وعمر) .
    وكما مر آنفاً أن الإمام أحمد بن حنبل أظهر في بغداد تحريم النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – فألف كتاب الأشربة، حتى إن الرجل يدخل بغداد فيقول: هل فيها من يحرم النبيذ؟ فيقولون: لا، إلا أحمد بن حنبل.
    ومما يحسن ذكره هاهنا ما سطره ابن تيمية قائلاً: (وأعظم ما نقمه الناس على بني أمية شيئان: أحدهما: تكلمهم في علي، والثاني: تأخير الصلاة عن وقتها.
    ولهذا رئي عمر بن مرة الجملي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر له بمحافظتي على الصلوات في مواقيتها، وحبي علي بن أبي طالب، فهذا حافظ على هاتين السنتين حين ظهر خلافهما، فغفر الله له بذلك، وهكذا شأن من تمسك بالسنة إذا ظهرت البدعة، مثل من تمسك بحب الخلفاء الثلاثة حيث يظهر خلاف ذلك وما أشبهه) .
    خامساً: يتمثل من خلال الفروع المذكورة شذة حرص السلف الصالح على إظهار مخالفة الكفار والمبتدعة، وأن إظهار مجانبة سبيل الكافرين والمبتدعين أمر مقصود سواء كان في العقائد أو الفروع.
    ومن ذلك أن مقالة ابن عباس رضي الله عنهما: لا أعلم صلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنما قالها لما ظهرت الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره، كما سبق إيراده.
    وكان أئمة السلف يذكرون ما يتميزون به في عقائدهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة أن يذكروا ما يتميز به أهل السنة عن الكفار والمبتدعين) .
    فإن كان هؤلاء الأئمة يذكرون تميزهم في الاعتقاد، فكذلك يذكرون تميزهم في الفروع عن المخالفين من المبتدعة والكافرين.
    لاسيما وأن الأدلة الشرعية تذم عموم الابتداع في الدين سواء كان في العقائد أو غيرها كما حرره الشاطبي .
    كما أن ظهور البدع سبب في خفاء السنة وانطماسها، كما في حديث غضيف بن الحارث– رضي الله عنه – قال: بعث إلى عبد الملك بن مروان فقال: إنا قد جمعنا على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة، وعلى القصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة)) .
    قال الحافظ ابن حجر معلقاً على القصة: (وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة، فما ظنك بما لا أصل له فيها. فكيف بما يشتمل على ما يخالفها؟) .
    سادساً: وكما حذر السلف من مخالفة الكفار والمبتدعين، حذروا أيضاً من أرباب الأقوال الإمام الأوزاعي: (من أخذ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في الصرف، وبقول أهل المدينة في الغناء، فقد جمع الشر كله) .
    وكما قال عبد الله بن المبارك: (لا تأخذوا عن أهل مكة في الصرف شيئاً، ولا عن أهل المدينة في الغناء شيئاً) .
    وذلك أن أهل الكوفة عرفوا بإباحة النبيذ – من غير العنب مما يسكر كثيره – كما أن أهل مكة أجازوا الصرف، حيث نسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه أجاز ربا الفضل . كما عرف بعض أهل المدينة بالترخص في الغناء .
    فهذه الرخصة – كما يقول ابن القيم – (تتبعها حرام، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص) .
    سابعاً: نلحظ من خلال النظر في تلك الفروع – المذكورة في كتب الاعتقاد – تفاوتها كما ونوعاً، وتنوعها حسب تباين هذه الكتب زماناً ومكاناً وحالاً، فمن الفروع ما يكثر إيراده دون غيره، ومن الفروع ما يذكر في مصنف دون مصنف آخر، فهذا التفاوت والتباين حسب الأحوال والملابسات التي تصاحب تأليف هذه المصنفات.
    ثامناً: يبدو– من خلال تتبع الأمثلة المذكورة في الفروع – أن أعظم طوائف المبتدعة انحرافاً في الأصول والاعتقاد هم أعظم انحرافاً في الفروع؛ فالرافضة – مثلاً – أشد ضلالاً من الخوارج والمعتزلة في الاعتقاد، ومن ثم كانت مخالفتهم وشذوذهم في المسائل الفقهية سواء في العبادات أو المعاملات أكثر وأظهر.
    تاسعاً: يظهر من خلال بعض الفروع الواردة – ما كان عليه السلف الصالح من ذم الحيل المفضية إلى الحرام وما فيها من المخادعة والاستخفاف بشرع الله تعالى، والصد عن سبيل الله تعالى، وشماتة أعداء الإسلام وتسلطهم، كما هو ظاهر في نكاح التحليل، كما يظهر أيضاً عناية السلف الصالح بقاعدة سد الذرائع علماً وتحقيقاً.
    قال الشاطبي: (سد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع) .
    وقال ابن القيم: (وإذا تدبرت الشريع وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، وذلك عكس فتح باب الحيل الموصلة إليها، فالحيل وسائل وأبواب إلى المحرمات، وسد الذرائع عكس ذلك، فبين البابين أعظم تناقض، والشارع حرم الذرائع، وإن لم يقصد بها المحرم، لإفضائها إليه، فكيف إذا قصد بها المحرم نفسه؟) .
    وحذر ابن القيم من التوثب على محارم الله تعالى باسم الحيل فقال: (فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكراً وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن لله يوماً تنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، ويصير الباطن فيه ظاهراً، ويحصل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب تعالى هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه، وما فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يعلبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) .
    الباب السادس: الإيمان بالجن
    الفصل الأول التعريف بالجن
    المبحث الأول: تعريف الجن في اللغة
    الجن بالكسر: اسم جنس جمعي واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان وهم الجنة .
    و على هذا فهم ضد الإنس، لأن الإنس سمي بذلك لظهوره, وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته.
    ويقال: لا جنَّ بهذا الأمر: أي لا خفاء به ولا ستر.
    والمجن بالكسر: هو الترس، لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به فهو جنة . ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((.. والصيام جنة)) . أي وقاية، لأنه يقي صاحبه من المعاصي.
    وجن الرجل جنوناً وأجنه الله فهو مجنون: إذا خفي عقله واستتر، وجن الرجل كذلك: أعجب بنفسه حتى يصير كالمجنون من شدة إعجابه. وقال القتيبي: وأحسب قول الشنفري من هذا:
    فلو جن إنسان من الحسن جنت ..
    أسماء الجن في لغة العرب:
    قال ابن عبد البر: (الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان على مراتب:
    1- فإذا ذكروا الجن خالصاً قالوا جني.
    2- فإذا أرادوا أنه مما يسكن مع الناس، قالوا: عامر والجمع عمار.
    3- فإن كان مما يعرض للصبيان قالوا: أرواح.
    4- فإن خبث وتعرض قالوا: شيطان.
    5- فإن زاد أمره على ذلك وقوي أمره قالوا: عفريت
    المبحث الثاني: تعريف الجن اصطلاحا
    ورد لفظ الجن في القرآن الكريم في آيات كثيرة, وسميت باسمهم سورة هي سورة الجن، وورد في السنة المطهرة كذلك ذكر الجن في مواضع متعددة، وكل ذلك إنما يدل على أهمية هذا المخلوق، إذ أنه يشاطر الإنس في التكليف، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [ الذاريات: 56]، و على هذا فما هو هذا المخلوق؟.
    يستخلص من التعريفات المتعددة للجن: بأنهم نوع من الأرواح العاقلة, المريدة, المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم, ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون, ويشربون, ويتناكحون, ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة.
    وهذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذي نجهل الكثير عن طبيعة حياته، لأنه غائب عن حواسنا، ...
    وبناء على ما تقدم فإن الجن خلق يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل وأصل المادة التي خلقوا منها، إذ أنهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان الذي خلق من الطين قال تعالى: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [ الرحمن: 14- 15].
    وكذلك فإن هذا المخلوق له حياته الخاصة من حيث الطعام والشراب، يختلف فيها عن الإنسان، وغير ذلك مما يختص به من الصفات..
    الفصل الثاني: الإيمان بوجود الجن
    المبحث الأول: الأدلة السمعية على وجود الجن
    أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة, فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعاً عدا عن الآيات التي تحدثت عن الشيطان وهي كثيرة، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام وهو بمكة هي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن, قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}[ الجن:1 -2].
    واعتبرهم القرآن نوعاً آخر يشترك مع الإنسان في التكليف وإن اختلف عنهم في الصفات, فجاءت كثير من خطابات التكليف شاملة للجن والإنس قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. وقال: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا} [ الأنعام: 130]، ورتب القرآن الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [ السجدة: 13]، وقال في معرض الحديث عن نعيم الجنة: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [ الرحمن: 56]. وتحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [ الإسراء: 88]، واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب فقال في معرض الحديث عن موت سليمان عليه السلام: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [ سبأ: 14]. وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق.
    ومعلوم أن القرآن الكريم قد ثبتت صحته، لأنه منقول إلينا بالتواتر، فعلى هذا الأساس لا مجال لإنكار هذا النوع من المخلوقات متى كان الخبر صادقاً، وإنكارهم يكون تكذيباً لخبر الله عنهم دون حجة أو برهان، وذلك لا يكون إلا من سمات الجاهلين أو الكافرين، ووجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل بأي شكل من الأشكال .
    وأما السنة النبوية فقد ورد ذكرهم في أحاديث كثيرة، وهذه الأحاديث بمجملها تبين أحوال هذا المخلوق، من حيث المادة التي خلقوا منها، ومن حيث طعامهم وشرابهم وتناسلهم ومطالبتهم بالتكاليف الشرعية، ومحاسبتهم في الآخرة، بالإضافة إلى الأحاديث التي تبين إمكانية رؤيتهم بمختلف الصور التي يتشكلون فيها، وغيرها من الأحاديث التي تشرح أحوالهم، قال الدميري: (واعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر) .
    فمن حيث بيان أصل المادة التي خلقوا منها، فقد أورد الإمام مسلم في صحيحه من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلقت الملائكة من نور, وخلق الجان من مارج من نار, وخلق آدم مما وصف لكم)) . وما ورد من الأحاديث في تكليم الرسول صلى الله عليه وسلم الجن وقراءته القرآن عليهم ودعوتهم إلى الله في أكثر من مرة، وقد كان ابن مسعود رفيقاً للرسول عليه السلام في كثير منها ...
    وهذه الأحاديث في كثير منها أحاديث صحيحة، رواها الثقات من الصحابة والتابعين عن الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام، فلا مجال لتكذيبها أو تأويلها تأويلاً فاسداً يخرج عن المقصود منها.
    وقد فصلت هذه الأحاديث كثيراً من أحوال الجن وصفاتهم، ومتى ثبتت صحتها، فإن المكذب بها يكون مكذباً للقرآن، الذي نص على وجوب الإيمان بما أخبر به عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [ التغابن: 8]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [ النساء: 136].
    تنبيه:
    على أن هذه الأدلة السمعية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في وجود الجن، لها في نفس الوقت دلالات حسية كذلك على وجودهم، إذ قد ثبت رؤيتهم له عليه السلام ولنفر من أصحابة الذين رافقوه عند ذهابه لتكليم الجن وقراءة القرآن عليهم، ومثل هذا قد حصل لأبي هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير فجعل يحثو من مال الصدقة ... وكما ورد عن ابن عباس ((أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا به جنون، وأنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فيخبث علينا، فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا، فثع ثعة، وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى)) .
    فهذه قصة سمعية من جهة، حسية من جهة أخرى، حيث دلت على رؤية الحاضرين للجني على شكل جرو أسود يسعى، وما حصل ذلك من أخذ الرسول عليه السلام للشيطان وخنقه إياه عندما جاءه ليقطع صلاته، حتى وجد برد لعابه على يديه الشريفتين.
    وغير ذلك من الروايات التي تحمل دلالات حسية على رؤية الجن مما لا يجعل مجالاً للشك في وجودهم.
    المبحث الثاني: الأدلة العقلية
    إن العقل لا يمنع من وجود عوالم غائبة عن حِسِّنا، لأنه قد ثبت وجود أشياء كثيرة في هذا الكون لا يراها الإنسان ولكنه يحس بوجودها، وعدم رؤية الإنسان لشيء من الأشياء لا يستلزم عدم وجوده، والقاعدة العلمية تقول: عدم العلم بوجود شيء لا يستلزم عدم وجوده. أي عدم رؤيتك للشيء الذي تبحث عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً، إذ أن الموجودات أعظم من المشاهدات، أي ليس كل الموجودات خاضعة لحاسة الرؤية، أو لمطلق الحواس، وإلا لوجب على الإنسان أن يؤمن بوجود السيارة مثلاً ما دامت واقفة أمامه، فإذا ما سار بها قائدها وابتعدت حتى خرجت عن سلطان المشاهدة والحواس وجب إنكار وجودها،... فإذا ظهر لك برهان علمي قاطع يجزم بأحد طرفي وجود ذلك الشيء أو عدمه، فإن من العبث أن تقارع ذلك البرهان القاطع بجهلك السابق .
    وقد ثبت عن طريق القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن طريق السنة الصحيحة وجود عالم يختلف عن الإنسان يسمى عالم الجن، وهذا القرآن ليس من تأليف الرسول عليه السلام, أو من تأليف أحد من البشر على الإطلاق، فعندئذ وجب التصديق بهذا الإخبار الصحيح عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا اعتبار بجهل الإنسان بهذا العالم ما دام المخبر صادقاً.
    ولا يدعي إنسان عاقل على الإطلاق أنه رأى الميكروبات بالعين المجردة التي لا ترى إلا بالمجهر بعد تكبيرها آلاف المرات، لأن السبب في عدم رؤيتها أن حاسة البصر عند الإنسان غير مؤهلة لهذه الرؤية، ما دامت الرؤية لهذا البصر محدودة في مجال العالم المشهود للإنسان، قال محمد رشيد رضا: (ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحاً وأصلاً ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة، ولما كشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة، ولولم تكشف الميكروبات – وأخبر أمثالهم بها في القرون الخالية – لعدوه مجنوناً، وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى، إذ يوجد في نقطة الماء ألوف الألوف منها، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث.. الخ، كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثيرها في تكوين العوالم، وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلاد البعيدة بآلات التلغراف والتليفون اللاسكلية – كله مما لم يكن يتصوره عقل، وقد وقع بالفعل) . ويقول أيضاً: (ويعجبني قول الدكتور (فانديك) في كلامه عن الحواس الخمس إذ يقول: لو كانت لنا حواس أخر فوق الخمس التي لنا، لربما توصلنا بها إلى معرفة أشياء كثيرة لا نقدر على إدراكها بالحواس الخمسة التي نملكها، ولو كانت حواسنا الموجودة أحدَّ مما عليه لربما أفادتنا أكثر مما تفيدنا وهي على حالتنا الحاضرة، ولو كان سمعنا أحدَّ لربما سمعنا أصواتاً تأتينا من عالم غير هذا الذي نحن فيه) ، ولكن حكمة الله اقتضت أن تكون حواسنا كما هي عليه الآن.
    وقد أثبتت التجارب وجود أشياء كثيرة في هذا الكون مع أن الإنسان لا يراها، فالكهرب الذي يسري في السلك موجود ولكننا لا نراه، والموجات الصوتية التي تنتقل عبر الأثير نحس بها ونلمس آثارها، خاصة في هذا العصر الذي ارتقت فيه المعارف والعلوم ارتقاء عجيباً... وباسم المنهج التجريبي في البحث أنكر كثير من المنتسبين له وجود مخلوقات تسمى بالملائكة والجن، ولم يكن لهم حجة يلجأون إليها في إنكار ذلك إلا أنهم لم يشاهدوها ولم يضعوها تحت المجهر أو في أنابيب الاختبار، ليجروا عليها التجارب، في الوقت الذي يتحدثون فيه للبشرية عن وجود الجاذبية والمغناطيسية والكهرب، وغيرها من الأشياء التي تغيب عن حواسنا، ولقد أخطأت الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات المادية عندما آمنت بالعقل وجحدت ما سواه, وعاشت تحت ظلال وثنية عقلية، هي أخطر ألوان الوثنيات وأشدها إذلالاً وإهدارا للقيم الإنسانية العليا، وهذا العقل الذي عبدته هذه الحضارة شيء عظيم حقاً في عالم الحس والمشاهدة، لأنهما يخضعان لهذا العقل في مجال التجربة والاختبار، أما ما وراء الحس والمشاهدة، فلا مجال للعقل أن يحكم على ذلك بالظنون والتخرصات، و في الوقت الذي نجد فيه إبداع هذه الحضارة المادية في مجال الماديات، نجدها في الجانب الآخر قد تعثرت تعثرا مضحكاً في المعنويات والأخلاقيات والعبادات، و في كافة ما يتصل بأمور الغيب كالروح والإلهام والوحي، لأنها أمور فوق الحس والمشاهدة ..
    المبحث الثالث: عقائد الناس في الجن
    انقسم الناس قديماً وحديثاً في أمر الجن إلى مذاهب شتى، فما بين مثبت لوجودهم، أو منكر، أو مؤول لهم بشتى التأويلات الفاسدة، أو مغالٍ في قدرتهم وسلطانهم في الأرض، إلى غير ذلك من المذاهب والتصريفات المختلفة في شأن هذا المخلوق.
    ويمكن إجمال هذه المذاهب فيما يلي: ...
    1- مذهب أهل السنة والجماعة:
    الذي عليه أهل السنة والجماعة من المسلمين وهو إثبات وجود مخلوقات غائبة عن حواسنا تسمى الجن، وأنها لا تظهر إلا أذا تشكلت في صور غير صورها في بعض الأحوال ولبعض الناس، وأنها مخلوقات عاقلة مكلفة بالتكاليف الشرعية على نحو ما عليه البشر، وأنهم يأكلون, ويشربون, ويتناكحون ولهم ذرية، قال ابن حزم: (لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله عز وجل بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحلية للطبائع بنص الله عز وجل وعلى وجود الجن في العالم، وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم، وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة، متعبدة، موعودة متوعدة، متناسلة، يموتون. وأجمع المسلمون كلهم على ذلك) .
    ويقول ابن تيمية: (لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن ولا في أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إليهم.. إلى أن يقول: وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضاً قائمة بلإنسان أو غيره كما يزعم بعض الملاحدة) . ويقول ابن حجر الهيتمي: (وأما الجان فأهل السنة والجماعة يؤمنون بوجودهم) .
    وقد تقدم كثير من الأدلة التي يستند إليها أهل السنة والجماعة في إثبات وجود الجن، سواء كانت هذه الأدلة مأخوذة من القرآن أو السنة، بالإضافة إلى دلالة الإجماع على ذلك ...
    2- مذهب جمهور الكفار:
    كعامة أهل الكتاب والمجوس، وجمهور الكنعانيين, واليونانيين, والرومان, والهنود القدماء, وعامة مشركي العرب: الإقرار بوجود الجن، مع انحراف في تصورهم عن هذا المخلوق.
    هذه الطوائف المختلفة أقرت بوجود الجن، ولكن إقرارهم هذا صاحبه تصورات فاسدة ومنحرفة، فمنهم من اعتبر أن الجن شركاء لله في الخلق والتدبير، ومنهم من اعتبر أن للجن سلطاناً في الأرض, وأنهم يعلمون الغيب، ومنهم من أثبت أخوة بين الله وإبليس - تعالى الله عن ذلك- إلى غير ذلك من التصورات المنحرفة..
    3- مذهب أكثر الفلاسفة والأطباء وجماعة من القدرية:
    والمعتزلة والجهمية، وكافة الزنادقة قديماً وحديثاً: إنكار الجن، بالإضافة إلى نفر قد أولوا النصوص الدالة على وجود الجن تأويلاً يدل على إنكارهم، كما سيأتي:
    قال الإمام القرطبي: (وقد أنكر جماع من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم، اجتراء على الله وافتراء، والقرآن والسنة ترد عليهم) وقال ابن تيمية: (وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين, وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، وكما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك، كما يوجد في طوائف المسلمين كالجهمية والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك) .
    والملاحدة والمتفلسفة يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة ...
    وقد أنكرت جماهير القدرية وكافة الزنادقة الجن كما ذكر الجويني إمام الحرمين حيث يقول: (وكثير من الفلاسفة, وجماهير القدرية, وكافة الزنادقة أنكروا الجن والشياطين رأساً، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبر ولا يتشبث بالشريعة، وإنما العجب من إنكار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار) .
    والذي يظهر أن المتأخرين من القدرية هم الذين ينكرون وجود الجن مع اعتراف متقدميهم بذلك، قال أبو بكر الباقلاني: (وكثير من القدرية يثبتون وجود الجن قديماً وينفون وجودهم الآن، ومنه من يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع فيها، ومنهم من قال: إنما لا يرون لأنهم لا ألوان لهم) .
    وأما المعتزلة فالمشهور عن أكثر العلماء أن الكثيرين منهم ينكرون وجود الجن، يقول الجويني: (وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودل إنكارهم إياهم على قلة مبالاتهم, وركاكة ديانتهم، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي، وقد نصت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه, ونص الشرع على ثبوته) .
    وقال ابن حجر الهيتمي: (وإنكار المعتزلة لوجودهم فيه مخالفة للكتاب والسنة والإجماع، بل ألزموا به كفراً لأن فيه تكذيب النصوص القطعية بوجودهم) .
    وقال الدميري: (فإذا قيل: ما تقول فيما حكى عن بعض المعتزلة أنه ينكر وجود الجن؟ قلنا: عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن وهو ناطق بوجودهم) .
    ... وقد ذكر محمد رشيد رضا أن الزمخشري وشيعته لم يكونوا من المنكرين لوجود الجن، وإنما الجن – كما يقولون – من عالم الغيب، لا نصدق من خبرهم إلا ما أثبته الشرع، أو ما هو في قوته من دليل الحس أو العقل، ولم يثبت شرعاً, ولا عقلاً, ولا اختباراً, أن شياطين الجن تأكل الناس, ولا أنها تظهر لهم في الفيافي كما كانت تزعم العرب، وغير ذلك في طور الجهل والخرافات ...
    أما الزنادقة قديماً وحديثاً كالدهرية والملحدين من الشيوعيين وغيرهم فإنهم ينكرون الغيبيات بشكل عام، ويعتبرون أن الكون وجد هكذا صدفة، وعلى هذا فهم يحاربون الأديان ويعتبرونها أفيون الشعوب، وذلك كما تفعل الشيوعية في الوقت الحاضر.
    وليس لهؤلاء حجة في إنكار الغيبيات – والجن من بينهم – إلا عدم الإيمان بما لا يقع عليه الحس، ولا يعرف بالتجربة والمشاهدة، وهي حجة ساقطة من أساسها، لا تقوى على الوقوف أمام الأدلة الكثيرة الناطقة بوجودهم ...
    شبه المنكرين لوجود الجن والرد عليها:
    وجملة الشبه التي يتمسك بها المنكرون للجن تتلخص فيما يلي:
    1- أن الجن لو كانوا موجودين لوجب أن يكونوا أجساماً كثيفة أو لطيفة، ولو كانوا أجساماً كثيفة لرآهم كل إنسان سليم الحس، ولو كانوا أجساماً لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف، وللزم أن لا يكون لهم قدرة على الأعمال الشاقة كما يقول مثبتو الجن على حد قولهم .
    والجواب على هذه الشبهة: أن الجن مجردون عن المادة والجسمية التي نشاهدها في الأمور المحسوسة أمامنا كالبشر, والدواب, والأشجار وغير ذلك، ولكن هذا لا يمنع أن يجعل الله فيهم خاصية القدرة على التشكل بالأشكال المختلفة: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [ يــس: 82]، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في تشكلهم بمختلف الصور، فمعارضة هذه النصوص بالظن إنما هو تحكم بالباطل.
    أما قولهم: إنهم لو كانوا أجساماً لطيفة لتمزقوا عند هبوب الرياح والعواصف فجوابه: لقد ثبت عند الفلاسفة أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر، فلم لا يعقل مثله في هذه الصورة؟ !، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها، وأنها تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعلوم، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة، والدليل لم يقم على إبطالها, فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها وقد ثبت تسخيرهم للنبي سليمان عليه السلام بصريح القرآن، وقد كان يراهم على صورهم الأصلية كما دل عليه ظاهر القرآن.
    2- أن هذه الأشخاص المسماة بالجن لو كانوا حاضرين في هذا العالم، مخالطين للبشر، فالظاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المخالطة والمصاحبة إما صداقة, وإما عداوة، فإن حصلت الصداقة وجب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة، وإن حصلت العداوة وجب ظهور المضاد بسبب تلك العداوة، إلا أننا لا نرى أثراً لا من تلك الصداقة ولا من تلك العداوة .
    والجواب على هذه الشبهة: أنه لا يشترط أن يحصل للإنسان من مصاحبة أحد صداقة أو عداوة يترتب عليهما المنافع والمضار، ومع ذلك فإن الوقائع الصحيحة التي وردت في السنة تدل على أن بعض الجن قد حصل منهم إيذاء لبعض من يكرهونه من الأنس، وقد ثبت علاج الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض من صرعتهم الجن، وقد ثبت كذلك نفع الجن لبعض الإنس كما حصل مع أبي هريرة عندما جاءه الشيطان فجعل يحثو من الطعام وقد تكرر مجيئه ثلاث مرات، وكان يزعم أنه لا يعود، حتى همَّ أبو هريرة أن يرفع أمره للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال الشيطان عند ذلك: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، فعلمه آية الكرسي وقال له: اقرأها فإنه لا يقربك شيطان , وغير ذلك مما قد ثبت في نفع الجن لبعض الناس وإضرارهم لبعض منهم.
    3- إن الطريق إلى معرفة الجن إما الحس وإما المشاهدة وإما الدليل، ولم يثبت لنا بالحس وجودهم ورؤيتهم، والذين يقولون إنا أبصرناهم وسمعنا أصواتهم طائفة من المجانين يتخيلون ذلك، وليست في الحقيقة كذلك، وأما الخبر بواسطة الأنبياء عليهم السلام فباطل، لأن ذلك يؤدي إلى إبطال نبوتهم، ولجاز أن يقال إن كل ما أتى به الأنبياء من المعجزات إنما هو بإعانة الجن والشياطين، فإذا جوزنا نفوذ الجن في بواطن الإنسان فلم لا يجوز أن يقال: إن حنين الجذع إنما كان لأن الشيطان نفذ في ذلك الجذع ثم أظهر الحنين؟ ولم لا يجوز أن يقال: إن الناقة تكلمت مع الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الشيطان دخل في باطنها فتكلمت؟ وأما الدليل والنظر فهو متعذر، لأنا لا نعرف دليلاً عقلياً يدل على وجود الجن والشياطين .
    والجواب على هذه الشبهة: أن الدليل الحسي قد دل على وجود الجن، حيث رآهم الرسول عليه الصلاة والسلام وهو نبي معصوم من الخطأ والكذب، ورآهم ابن مسعود عندما ذهب معه ليلة تكليم الجن، ورآهم أبو هريرة عندما جاءه الشيطان في صورة رجل فقير، فأخذ يحثو من مال الصدقة، وقد حدث مثل ذلك لنفر من الصحابة، وغير ذلك من الوقائع التي تدل على رؤية الجن من قبل هؤلاء، وهم صحابة أجلاء وليسوا من المجانين كما يزعم المنكرون لوجود الجن، بل هم من العقلاء الموثوق بهم.
    وأما الخبر فقد جاءت نصوص القرآن مخبرة عن أحوال الجن في مواضع متعددة من القرآن، وليس هناك من سبيل للطعن بكتاب الله – المنقول بالتواتر – بأي حال من الأحوال، ودل على وجودهم السنة المتواترة التي تقطع الشك وترفع العذر في إنكار وجودهم أو تأويلهم.
    والقول أن في الاعتراف بهم إبطالاً لنبوة الأنبياء غير صحيح، لأنه قد ثبت لنا وجودهم عن طريق هؤلاء الأنبياء كذلك، فالشك في وجودهم يوجب الطعن في نبوتهم أيضاً.
    وأما أن الإقرار بوجودهم يوجب إنكار معجزات الأنبياء فغير مسلم، لأن المعجزة إنما هي تأييد من الله لأنبيائه حتى يظهر للناس صدق نبوتهم، والرسل معصومون من تلبيس الجن والشياطين، فلا يمكن أن يكون حنين الجذع وتكليم الناقة للرسول عليه السلام من قبيل هذه التلبيسات.
    أما الذين ينكرون وجود الجن بحجة عدم رؤيتهم، أمثال الزنادقة والماديين، فهؤلاء ينكرون كل ما لا يقع عليه الحس، ... وأنه لم يدل دليل عقلي على نفي وجودهم، ولا يمنع العقل من وجودهم، في الوقت الذي دل فيه العقل على وجود أشياء كثيرة غائبة من الحس، وهو أمر لا تحيله الطباع ولا تنكره العقول، ثم إن العقل لم يدع أنه توصل إلى معرفة جميع الأشياء، وأن ما وصل إليه علم الإنسان غيض من فيض.
    فثبت بهذا بطلان شبهات منكري الجن.
    موقف المنكرين لوجود الجن من النصوص الدالة على إثبات وجودهم:
    وفي الوقت الذي يقرر الإسلام وجود الجن وأنهم مخلوقات عاقلة مكلفة خلقوا من النار، يأتي المنكرون للجن من الملاحدة والفلاسفة وغيرهم فيؤولون النصوص الدالة على وجود الجن والملائكة تأويلاً يبعد عن مقصد القرآن والسنة، وهو تأويل لا يعتمد على دليل يؤيده بل هو من تحريف الكلم عن مواضعه، تضليلاً للناس وصدا لهم عن سبيل الله، وهي تأويلات معلومة الفساد بالضرورة من دين الإسلام، وقد أدى تأويل هذا النفر من الناس إلى إنكار الجن بالكلية، وبهذا يتفقون مع المنكرين في الغاية والهدف.
    وقد تجلت هذه النظرة عند القدامى والمحدثين:
    أما عند القدامى فيقول ابن تيمية: (وقد زعم الملاحدة والمتفلسفة بأن الملائكة هم قوى النفس الصالحة, والشياطين هم قوى النفس الخبيثة، ويجعلون سجود الملائكة طاعة القوى للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل، ونحو ذلك من المقالات التي يقولها أصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم من القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلال المتكلمة والمتعبدة، وقد يوجد نحو هذه الأقوال في أقوال المفسرين التي لا إسناد لها يعتمد عليه) .



  10. #310
    إداري سابق
    الحاله : ابن عامر الشامي غير متواجد حالياً
    تاريخ التسجيل: Jan 2011
    رقم العضوية: 4
    السيرة الذاتيه: .
    المشاركات: 7,701
    ويوضح هذه النظرة التي ذكرها ابن تيمية عن هذه الطوائف فخر الدين الرازي في تفسيره، حيث يبين موقف الطوائف المختلفة من الجن، وقد ذكر عن هؤلاء الفلاسفة قولهم: (النفوس الناطقة البشرية المفارقة للأبدان قد تكون خيرة وقد تكون شريرة، فإن كانت خيرة فهي الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهي الشياطين الأرضية، ثم إذا حدث بدن شديد المشابهة ببدن تلك النفس المفارقة ضرب تعلق بهذا البدن الحادث، وتصير تلك النفس المفارقة، معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن على الأعمال اللائقة بها، فإن كانت النفسان من النفوس الطاهرة المشرقة الخيرة، كانت تلك المعاونة والمعاضدة إلهاماً، وإن كانتا من النفوس الخبيثة الشريرة، كانت تلك المعاونة والمناصرة وسوسة) .
    وقال ابن حزم: (وذهب القائلون بتناسخ الأرواح أمثال أحمد بن خابط, وأبو مسلم الخراساني, والرازي الطبيب المعروف وغيرهم أن الشياطين هي أرواح الشريرين من الناس، والملائكة هي أرواح الخيرين منهم) ، وذكر نحو هذا البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق حيث يقول: (والباطنية يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بدعتهم، ويتأولون الشياطين والأبالسة على مخالفيهم) .
    وما تقدم من تأويل الجن والملائكة هذا التأويل الفاسد إنما سببه الانحراف والزيغ عن منهج الحق، حيث ضلت هذه الفرق عن الإسلام، وتأولت آيات القرآن تأويلاً باطلا يوافق أهواءهم وما انتحلوه من إنكار هذه العوالم، فجمعوا بين إنكار الحق الثابت وتحريف النصوص.
    وتأويل بعض هؤلاء الجن, والملائكة, بالأرواح المفارقة للأبدان ... هو من القول بالتناسخ أو يشابهه، ولا شك أن مذهب التناسخ مذهب باطل كما هو مقرر في الإسلام، فإن الأرواح لا تنتقل إلى أبدان أخر بعد الموت، بل تبقى في مستقرها في دار البرزخ منعمة أو معذبة.
    الفصل الثالث: خلق الجن وصفاتهم وأصنافهم
    المبحث الأول: المادة التي خلق منها الجن
    صرح القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: {وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [ الحجر: 27]. في مقابل الحديث عن خلق الإنسان من الطين، وفي قوله: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} [ الرحمن: 14- 15]. وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إباء إبليس من السجود لآدم عليه السلام كقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12].
    أما في السنة النبوية فقد ورد في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم)) ..
    أولا: قدرتهم على التشكل
    الذي تشير إليه الآيات القرآنية, والأحاديث النبوية أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. قال ابن تيمية: (والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور الحيات والعقارب وغيرها، و في صور الإبل, والبقر, والغنم, والخيل, والبغال, والحمير، و في صور الطير، و في صور بني آدم) .
    ولا يمنع خلقهم من النار تشكلهم في الصور المختلفة، يقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها، ويخلق لهم أغراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة) .
    الأدلة على تشكل الجن ورؤيتهم:
    أما من القرآن فقوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [ الأنفال: 48].
    قال الطبري في تفسير هذه الآية: (عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 48]، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه – وكانت يده في يد رجل من المشركين – انتزع إبليس يده، فولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] وذلك حين رأى الملائكة) .
    ومن الأدلة التاريخية التي تصلح في هذا المقام: ما ورد أن الشيطان تصور في صورة شيخ نجدي، عندما اجتمعت قريش بدار الندوة، لتمكر بالرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. وذلك أن قريشاً اجتمعت بدار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه بتٌّ، فلما رأوه واقفاً على الباب قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من نجد، سمع بالذي اتعدتم له، فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم رأياً ونصحاً، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم، فأشار بعضهم فقال: نحبسه في الحديد، ونغلق عليه الباب حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا غيره، فأشار بعضهم بنفيه من البلاد، فقال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ألم تروا إلى حسن حديثه وغلبته على قلوب الرجال؟ حيث يقدر على تأليف القلوب حوله، أديروا فيه رأياً غير هذا. حتى أشار أبو جهل برأيه الذي استقر عليه الأمر بأخذ شاب من كل قبيلة، فيدخلوا على الرسول عليه الصلاة والسلام فيقتلوه جميعاً، فيتفرق دمه على القبائل. فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم وهم مجتمعون على هذا .
    نلاحظ مما تقدم أن الشيطان قد جاء المشركين في صورة رجل، فرأوه وعاينوه.
    وقد يظهر الشيطان لبعض الناس في صورة بعض الأموات، وأكبر ما يقع ذلك من المشركين، يقول ابن تيمية: (وقد وقع هذا كثيراً، حتى أنه يتصور لمن يعظم شخصاً في صورته، فإذا استغاث به فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت) .
    ويقول في موطن آخر: (وكذلك يأتي كثيراً من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر، وإنما كان جنياً من الجن) .
    وغير هذا كثير مما يقع من أتباع الشيطان مع شياطينهم، حيث يتصورون لهم في صور عديدة، ليوهموهم ويستدرجوهم.
    الأدلة من السنة:
    ورد في السنة المطهرة أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، نجتزئ بعضها للاستدلال على ذلك:
    1- ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عفريتا من الجن جعل يفتك عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم -. ثم ذكرت قول أخي سليمان: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} [ص: 35] فرده الله خاسئاً)) .
    وقد جاء في روايات أخرى أن الشيطان جاء بشعلة من نار ليحرق بها وجه الرسول صلى الله عليه وسلم, فأخذه حتى وجد برد لسانه على يده الشريفة.
    فعن أبي سعيد الخدري ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين: الإبهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل)) .
    وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعناه يقول: أعوذ بالله منك, ثم قال: ألعنك بلعنة الله. ثلاثاً، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً. فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله, قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً، لم نسمعك تقوله قبل ذلك. ورأيناك بسطت يدك؟ قال: إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي. فقلت: أعوذ بالله منك. ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر. ثلاث مرات. ثم أردت أخذه. والله ! لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)) .
    فهذه الروايات تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى الشيطان، ومعه شعلة من نار ليحرق بها وجهه، فأخذه، ولولا دعوة النبي سليمان عليه السلام لربطه في أحد سواري المسجد لينظر إليه الناس.
    2- عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود قال: ((استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فانطلقت معه حتى بلغنا أعلى مكة، فخط لي خطاً وقال: لا تبرح، ثم انصاع في أجبال الجن، فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال حتى حالوا بيني وبينه، فاخترطت السيف وقلت: لأضربن حتى استعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر..)). الحديث
    فقوله في الحديث: (فرأيت الرجال ينحدرون عليه من رؤوس الجبال) فيه دليل على أنهم ظهروا لابن مسعود في صورة الرجال، حتى خاف على الرسول صلى الله عليه وسلم منهم، فهم بسيفه ليقاتلهم.
    3- ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج, وعلي عيال, ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك، وسيعود. فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه سيعود. فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج, وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: أما إنه كذبك، وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود، ثم تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة.قال: لا، قال: ذاك شيطان)) .
    وقد جاء هذا الحديث من عدة روايات، كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني، فقد قال: (قوله: فأخذته زاد في رواية أبي المتوكل ((أن أبا هريرة شكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولاً، فقال له: إن أردت أن تأخذه فقل: سبحان من سخرك لمحمد، قال: فقلتها، فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته)).) وقال ابن حجر: (وفي رواية الروياني: ((فأخذته فالتفت يدي على وسطه, فقلت: يا عدو الله: وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته، وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك)) وفي رواية الروياني: ((ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال، ما أتيتك إلا من نصيبين)) .
    وقد ورد في حديث معاذ بن جبل قوله: ((ضم إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر الصدقة، فكنت أجد فيه كل يوم نقصاناً، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده، فرصدته، فأقبل في صورة فيل، فلما انتهى إلى خلل الباب، دخل من خلل الباب في غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت عليّ ثيابي فتوسطته)) .
    وقد بين ابن حجر أن اختلاف هذه الروايات محمول على التعدد، فقد جاء الشيطان مرة في صورة رجل فقير يطلب الصدقة، ومرة أخرى في صورة فيل، و في روايات أخرى ذكرها ابن حجر أنه جاء في صورة دابة تشبه الغلام المحتلم، فعن أبي بن كعب: ((أن أباه أخبره أنه كان لهم جرن فيه تمر، وكان مما يتعاهده فيجده ينقص، فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة كهيأة الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت: جن أم أنس؟ فقال: جن، فقلت: ناولني يدك, فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ما فيهم من أحد هو أشد مني، فقلت: ما يحملك على ما صنعت؟ قال: بلغني إنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، قلت: فما الذي يحرزنا منكم؟ فقال: هذه الآية، آية الكرسي, قال: فتركته، وغدا أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الخبيث)) . إلى غير ذلك.
    وهذه الروايات بمجموعها تدل على تشكل الجن ورؤيتهم في صورهم التي تشكلوا بها.
    4- روى مسلم في صحيحه ((أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته. فسمعت تحريكاٍ في عراجين في ناحية البيت. فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن أجلس. فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يوماً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش. فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدري أيهما كان أسرع موتاً. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه. فإنما هو شيطان)) .
    ففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صرع الفتى بسببها، ولذا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل حيات البيوت قبل استئذانها ثلاثة أيام، لئلا تكون تلك الحية جناً مسلمين.
    فعن عمر بن نافع قال: (كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يوماً عند هدم, فرأى وبيص جان فقال: اتبعوا هذا الجان فاقتلوه، فقال أبو لبابة الأنصاري: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر, وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر, ويتبعان ما في بطون النساء) .
    وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقتلوا ذا الطفيتين، فإنه يطمس البصر, ويصيب الحبل)) .
    والنهي عن قتل حيات البيوت لكون الجان يتمثل بصورة الحيات، قال ابن حجر الهيتمي: (إن استثناء هذين – يقصد الأبتر وذا الطفيتين - يقتضي أن الجني لا يتصور بصورتهما، فيسن قتلهما مطلقاً، ثم رأيت الزركشي نقل ذلك عن الماوردي فقال: إنما أمر بقتلهما لأن الجن لا تتمثل بهما، وإنما نهى عن ذوات البيوت لأن الجني يتمثل بهما) .
    ثم قال ابن حجر: (وما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه مما يقتضي عدم قتله مطلقاً يحمل على ما إذا لم ينذر، وأن الإنذار يتأكد فيه، لأنه أقرب إلى صورة الجن من غيره، وكذلك يحمل على هذا حديث مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الجان إلا الأبتر وذو الطفيتين) .
    وأخرج أبو داود عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض، الذي كأنه قضيب فضة)). وذلك لتمثل الجان في صورة الحيات البيضاء قال أبو داود: (فقال لي إنسان: الجان لا يعرج في مشيته، فإذا كان هذا صحيحاً كانت علامة فيه إن شاء الله)
    وفائدة الإنذار أن الجني الذي يظهر بصورة حية إذا كان مسلماً يخرج بسماعه للإنذار، وإذا لم يخرج فهو جن كافر أو حية، وكل منهما يقتل شرعاً.
    والجن يتصور بصورة الكلاب كذلك قال ابن تيمية: (والجن تتصور بصورة الكلب الأسود, وكذلك بصورة القط الأسود, لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة).
    فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)) ).
    وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، فعن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل. فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار, والمرأة, والكلب الأسود. قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان)) . فعلل بأنه شيطان، والجن تتشكل بالصور المختلفة للحيوانات سواء كانت كلاباً أو غيره.
    وهكذا يظهر لنا مما تقدم أن الجن يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء من المسلمين، لما ورد من الآثار الكثيرة في تشكيلهم ورؤيتهم، وقد مر معنا قسم منها.
    ثانيا: مدى إمكانية رؤيتهم
    ويحسن بنا في هذا المقام أن نبين آراء الفقهاء في مسألة رؤية الجن وتشكلهم.
    1- رأي الجمهور: أن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات، ولبعض الناس.
    2- الفريق الثاني: يرى أن رؤية الجن مختصة بالأنبياء – عليهم السلام – فقط. وممن قال بذلك: الشافعي وابن حزم والنحاس والقشيري وبعض المحدثين.
    3- الفريق الثالث: ينكر رؤية البشر للجن، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء، وهو قول لبعض المحدثين.
    4- الفريق الرابع: يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بصورهم الأصلية للأنبياء, ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء من البشر, وهو قول الألوسي, وابن العربي، على تفصيل سيأتي فيما بعد.
    وإليك تفصيل هذه الآراء مع أدلتها:
    1- رأي الجمهور من الفقهاء:
    الذين قالوا بأن الجن يرون إذا تشكلوا في غير صورهم الأصلية، في بعض الأوقات ولبعض الناس.
    قال محمد رشيد رضا: (والجمهور على أن الجن تتشكل) ، وقال في موطن آخر: (واختلفت فرق المسلمين في تشكله في الصور. فالجمهور يثبتونه) وقال المجلسي: (لا خلاف بين المسلمين في أن الجن والشياطين أجسام لطيفة، يرون في بعض الأحيان، ولا يرون في بعضها.. وقد جعل الله لهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة وصور متنوعة، كما هو الأظهر من الأخبار والآثار) .
    ويقول محمد رشيد رضا مبيناً إمكانية رؤية الجن: (فإذا تمثل الملك أو الجان في صورة كثيفة كصورة البشر أو غيرهم، أمكن للبشر أن يروه، ولكنهم لا يرونه على صورته وخلقته الأصلية بحسب العادة، وسنة الله في خلق عالمه وعالمها) .
    ويقول الإمام القرطبي: (وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة، فمنها حديث أبي هريرة الذي وكله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان – وذكر قصة طويلة – وفيها: أن الشيطان كان يأتيه على صورة رجل فقير، يحثو من الطعام، حتى رفع أمره إلى الرسول وأخبره أن الذي يأتيه إنما هو شيطان) .
    وقد رأى ابن مسعود الجن على غير صورهم الأصلية، حين ذهب عليه الصلاة والسلام لتكليم الجن.
    فقد روي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟ فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحجون، عند شعب أبي دب، فخط علي خطاً فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحجون، فانحدر عليه أمثال الحجل، يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة دفوفها، حتى غشوه فلا أراه، فقمت: فأوحى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن، فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليّ قال: أردت أن تأتيني؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما كان ذلك لك، هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر)) .
    وقد جاء من طرق هذا الحديث: ((ثم انطلق – أي ابن مسعود – حتى قام عليَّ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لغطاً وغمغمة، حتى خفت على النبي صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي صلى الله عليه وسلم مع الفجر فقال: أنمت؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض، فقال: أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع، والمتاع الزاد..)) الحديث .
    وفي إحدى الروايات عن ابن مسعود جاء فيها: (... فلما أصبحت قلت: لأعلمن علماً حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت، فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً)، وذلك حين ذهب الرسول ليكلم نفراً من الجن. و في هذا دلالة على أن الجن الذين كلمهم عليه الصلاة والسلام لهم أجسام، بحيث يمكن مشاهدتهم، فقد تركوا أثرا يدل على تشكلهم، وهي آثار مقاعدهم عندما كانوا مجتمعين حول الرسول عليه الصلاة والسلام.
    وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ فأسكت القوم فلم يتكلم منهم أحد, قال ذلك ثلاثاً فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا إلى أرض براز, فإذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفري ثيابهم من بين أرجلهم, فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تمسكني رجلاي من الفرق, فلما دنونا منهم خط لي رسول الله بإبهام رجله في الأرض خطاً فقال لي اقعد في وسطه فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة, ومضى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينهم فتلا قرآناً رفيعاً حتى طلع الفجر ثم أقبل حين مر بي فقال لي: الحق، فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد فقال لي: التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد فقلت: يا رسول الله أرى سواداً كثيراً, فخفض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى الأرض, فنظم عظماً بروثة ثم رمى به إليهم, ثم قال: رشد أولئك من وفد قوم هم وفد نصيبين, سألوني الزاد فجعلت لهم كل عظم وروثة, قال الزبير: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة أبداً)) .
    وعندما قدم ابن مسعود الكوفة، رأى شيوخاً شمطاً من الزط فراعوه، قال: (من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء نفر من الأعاجم، قال: ما رأيت للذين قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام من الجن شبهاً أدنى من هؤلاء) .
    فهذه الروايات تدعم قول القائلين بإمكانية رؤية الجن، فقد ظهروا لابن مسعود وغيره مرة في صورة النسور، ومرة في صورة الحجل، ومرة في صورة رجال سود، عليهم ثياب بيض. ورآهم ابن مسعود يجتمعون حول الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقرعهم بعصاه، ثم يتلو عليهم القرآن، ويطلبون منه الزاد فيزودهم العظم لهم، والروث لدوابهم.
    وقد تكررت وفادات الجن على الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر الألوسي أنه كان للجن ست وفادات. وهذه الوفادات تدل على رؤية الجن من قبل ابن مسعود وغيره عند تكليم الرسول صلى الله عليه وسلم للجن ودعوتهم إلى الله.
    أما حديث ابن عباس الذي يقول فيه: (ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم. انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب. فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ. وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر- فلما سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا! إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به. ولن نشرك بربنا أحداً. فأنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ}) .
    هذا الحديث الذي يبين فيه ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى الجن، يقول فيه ابن العربي: (وابن مسعود الذي يثبت رؤية الرسول للجن - في الحديث المتقدم – أعرف من ابن عباس لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة) ، ويقول السبكي: (ويقدم قول ابن مسعود لأنه إثبات وقول ابن عباس نفي، والإثبات مقدم على النفي، لاسيما وقصة الجن كانت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك طفلاً، أولم يولد بالكلية، فهو إنما يرويها عن غيره، وابن مسعود يرويها مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأولى أن يجعل كلام ابن عباس غير معارض لكلام ابن مسعود، وأن يكونا مرتين: إحداهما التي ذكرها ابن عباس، وهي التي أشار إليها القرآن في سورة الأحقاف و في سورة الجن، إذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قصدهم, ولا شعر بهم, ولا رآهم, ولا قرأ عليهم قصداً، بل سمعوا قراءته وآمنوا به كما نطق بذلك الكتاب العزيز، وثبوتها من حيث الجملة قطعي) ، وهذه المرة كانت بنخلة، والثانية التي تثبت رؤية الرسول للجن وهي بمكة .
    وأما قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ الأعراف: 27]. حكاية عن إبليس وقبيله من الشياطين، فقد قال الإمام الشوكانيوقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشياطين غير ممكنة، وليس في الآية ما يدل على ذلك، وغاية ما فيها أنه – أي إبليس – يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً، فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً) .
    ثم إن المقصود من الآية عدم رؤيتنا لهم على صورتهم الأصلية التي خلقهم الله عليها، وليس معناها انتفاء رؤيتنا لهم في حالة تشكلهم بمختلف الصور، التي ثبت تشكلهم بها، لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: (إن الشيطان قد يتصور ببعض الصور، فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها،.. وأنهم يظهرون للإنس بالشرط المذكور) ، يقصد إذا تشكلوا بغير صورهم.
    وكذلك يحمل قول الإمام الشافعي كما حملت هذه الآية على امتناع رؤيتهم بصورهم الأصلية. فقد روى البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده عن الربيع: (سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبياً) .
    يقول الباقلاني: (لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها ويخلق لهم أعراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة) . ويقول في موضع آخر: (إنما رآهم من رآهم لأنهم أجساد مؤلفة وجثث) .
    على أن القاضي أبي يعلى الحنبلي يعتبر أن قدرة الجن على التشكل بالصور المختلفة، ليست من خصائصهم التي أودعها الله فيهم، وإنما قدرتهم على التشكل إنما هي بتعليم الله للجن كلمات وضرباً من ضروب الأفعال، إذا قالها وفعلها، نقله الله من صورته إلى صورة الحيوان الذي تشكل به. يقول بهذا الصدد: (ولا قدرة للملائكة والشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلمه الله تعالى كلمات وضرباً من ضروب الأفعال، إذا فعله وتكلم به، نقله الله تعالى من صورة إلى صورة, فيقال إنه قادر على التصور والتمثيل، على معنى أنه قادر على قول إذا قاله أو فعله نقله الله تعالى من صورته إلى صورة أخرى بجري العادة، فأما أن يصور نفسه فذلك محال، لأن انتقالها من صورة إلى صورة، إنما يكون بنقض البنية وتفريق الأجزاء، فإذا انتقضت بطلت الحياة، واستحال وقوع الفعل من الجملة، فكيف تنقل نفسها؟. والذي روي أن إبليس تصور في صورة سراقة بن مالك، وأن جبريل تمثل في صورة دحية الكلبي، وقوله تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [ مريم: 17] محمول على ما ذكرنا، وهو أنه أقدره على قول قاله، نقله الله تعالى عن صورته إلى صورة أخرى) .
    وقول أبي يعلى دعوى تفتقر إلى دليل، ولا دليل عليها، بل خاصية التشكل للجن من الخصائص التي أودعها الله فيهم، وجعل لهم القدرة على ذلك فلا يكونون بذلك خارجين عن قدرة الله، بل تصرفوا في حدود ما منحهم الله إياه من القدرة على التشكل.
    2- الفريق الثاني:
    الذين يرون بأن رؤية الجن إنما هي مختصة بالأنبياء، كما ورد في تسخير الجن للنبي سليمان عليه السلام، وذلك قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ ص: 36 - 39] فالجن كانوا مرئيين وظاهرين لسليمان عليه السلام بمعجزة. وكما نعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة، وأمر تجري حوادثه خلافاً للأمور التي تجرى تبعاً للسنن الكونية .
    وكما حدث للرسول محمد عليه الصلاة والسلام من رؤيته للجن في مواضع كثيرة، ... ومجيء الشيطان إليه بشعلة من نار ليحرق بها وجهه، فقال له: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً، ولولا دعوة أخيه سليمان عليه لأخذه وربطه في سارية من سواري المسجد، حتى يلعب به ولدان أهل المدينة. وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام للجن. ...
    فالبشر لا يرون الجن عند هذا الفريق إلا أن يكون ذلك نبياً، فقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يرى أن رؤيتهم من الخوارق الخاصة بالأنبياء ...
    وقول الإمام الشافعي المتقدم محمول على رؤيتهم بصورتهم الأصلية كما مر معنا.
    وبمثل قول الشافعي قال النحاس. ففي تفسير قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ الأعراف: 27]. قال القرطبي: (قال النحاس: {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي، ليكون ذلك دلالة على نبوته، لأن الله جل وعز خلقهم خلقاً لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم، وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) .
    وقال القرطبي: (قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم) .
    ومن قال بالمنع ابن حزم الظاهري، فقد قال: (وهم يروننا ولا نراهم، قال الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [ الأعراف: 27].. وإذ أخبرنا الله عز وجل أنا لا نراهم، فمن ادعى أنه يراهم أو رآهم فهو كاذب، إلا أن يكون نبياً من الأنبياء عليهم السلام، فذلك معجزة لهم، كما نص النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته..)) ). ثم يقول: (ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه) .
    وقول ابن حزم إنما هو محمول على رؤيتهم بصورهم الأصلية، كما حمل قول الإمام الشافعي من قبل.
    وروي عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رؤية الجن ليست حقيقة، وإنما هي من باب التخييل.
    فعن أسيد بن عمرو قال: (ذكرنا عند عمر الغيلان فقال: إنه لا يستطيع شيء أن يتحول عن خلق الله الذي خلقه، ولكن فيهم سحرة كسحرتكم، فإذا أحسستم من ذلك شيئاً فأذِّنوا) .
    وعلى قول عمر فإن ظهور الجن بالصور المختلفة ليس حقيقة، وإنما هو من باب التخييل، كتخييل السحرة على الرائين. ولكن الأدلة الصحيحة تثبت رؤيتهم حقيقة وليس تخييلاً، كما حصل مع أبي هريرة في الحديث المتقدم الذي أخرجه البخاري، عندما جاءه الشيطان على صورة رجل فقير ذي عيال، وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت رؤيتهم حقيقة.
    3- الفريق الثالث:
    الذي ينكر حتى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجن، فقد قال عبد الله النوري في جوابه على سؤال وجه إليه عن رؤية الرسول عليه السلام للجن: (لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجن بعينيه، وإنما أوحي إليه أن نفراً من الجن استمع إليه، قال تعالى:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [ الجن: 1]).
    وهو لا يثبت الرؤية إلا للنبي سليمان عليه السلام، كما ورد في الآيات التي تبين تسخير الجن له.
    وعلى هذا فهو يخالف كل الآراء التي تجمع على رؤية النبي عليه السلام للجن، وأما بالنسبة للآية التي ذكرها، فقد كانت إخباراً من الله لنبيه بأن نفراً من الجن استمعوا إليه، وهي تشعر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرهم في هذه المرة، ولكن وفادات الجن على الرسول عليه السلام قد تكررت عدة مرات، رآهم فيها، ...
    وأما أن هذه خصوصية للنبي سليمان عليه السلام ومعجزة دالة على رسالته ـ كما قال صاحب الدعوى عبد الله النوري ـ فهي دعوى لا تمنع من تسخيرهم ورؤيتهم بعده. يقول البهي الخولي: (وإذا كان ذلك التسخير خصوصية لا تنبغي لأحد بعد سليمان فإن سر تلك الخصوصية لم ينقطع بعده) واختصاص سليمان عليه السلام بذلك إنما هو على جهة تسخيرهم في الأعمال, وبناء القصور, والقلاع وغير ذلك، وهذا لم يقل به أحد من الناس، وأنه ممكن للبشر بعده، أما أن يختص سليمان برؤيتهم دون غيره فهذا ما ترده الشواهد الدالة على إمكانية رؤية الأنبياء وغيرهم للجن. بل إن تسخيرهم لنبينا عليه الصلاة والسلام كان ممكناً عندما قال: ((فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم)) الحديث، لكن الذي منعه هو تذكره لدعوة أخيه سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35]. وإلا فالتسخير كان ممكناً لمحمد عليه السلام، فكيف لا تكون الرؤية للجن جائزة في حقه صلى الله عليه وسلام ؟.
    وبمثل هذا القول قالت القدرية بانتفاء رؤيتهم مطلقاً للأنبياء وغيرهم، يقول الباقلاني: (ومن يقر بوجودهم من القدرية يزعم أنهم لا يرون لرقة أجسامهم ونفوذ الشعاع منها...، ومن العلماء من قال: أنهم لا يرون، لأنهم لا ألوان لهم) .
    4- الفريق الرابع:
    الذي يتوسع في دائرة الرؤية، فيثبت رؤية الجن بخلقتهم الأصلية للأنبياء، ولمن اختصه الله بذلك من غير الأنبياء. قال ابن العربي: (وليس يمتنع أن يراهم النبي صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة) . ويقول الألوسي: (وقد ترى - أي الجن - بصور غير صورها الأصلية، بل وبصورها الأصلية التي خلقت عليها كالملائكة عليهم السلام، وهذا للأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ومن شاء الله تعالى من خواص عباده عز وجل) .
    وأما رؤية الجن في صورتهم الأصلية لغير الأنبياء فقد روى البيهقي في الدلائل عن الحسن: أن عمار بن ياسر قال: (قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن والإنس، فسئل عن قتال الجن فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته، فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((إن عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله)), فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر، فكان أبي هريرة رضي الله عنه يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
    ومما تقدم لنا من الأقوال في مسألة رؤية الجن يتبين لنا أن الحق مع الفريق الذي قال بوقوع رؤيتهم للأنبياء مطلقاً ولغيرهم عند تمثلهم، وهو ما عليه الأكثرية من العلماء، وهو القول الذي تدعمه النصوص الثابتة من السنة النبوية، وهو الذي تشهد له التجربة مع كثير من الناس.
    المبحث الثاني: صفات الجن وما يعجزون عنه
    المطلب الثاني: الجن يتناكحون ويتناسلون
    والجن يتناكحون ويتناسلون ولهم ذرية، يقول ابن حجر الهيتمي: (واستدلوا لتناكح الجن فيما بينهم بقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} [ الكهف: 50]. فهذا يدل على أنهم يتناكحون لأجل الذرية). ويقول الألوسي: (والظاهر أن المراد بالذرية: الأولاد، فتكون الآية دالة على أن له أولاداً، وبذلك قال جماعة، وقد روي عن ابن زيد أن الله تعالى قال لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس يولد لآدم ولد إلا ولد معه شيطان يقرن به. وعن قتادة: أنه ينكح وينسل كما ينكح وينسل بنو آدم) وبمثل قول قتادة قال الحسن البصري . والذي يدل على ما رواه ابن زيد ما رواه ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير)) .
    ومن الأدلة على تناكحهم وتناسلهم قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ}[الرحمن:56 ].
    يقول ابن حجر الهيتمي: (وهذا يدل على أنه يتأتى منهم الطمث وهو الجماع والافتضاض) ، ويقول الفخر الرازي في الآية المتقدمة: (ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك، بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الأنس أم لا؟ والمشهور أنهم يواقعون) .
    ولو كان الجن لا يتوالدون لانقرضوا وما بقي منهم أحد، لأنه قد ثبت موتهم بكثير من الأدلة، كما هو الشأن عند البشر، فلو كان البشر لا يتوالدون لانقرضوا.
    وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: (إن الله جزَّأ الإنس والجن عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، والإنس جزء واحد، فلا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة) .
    وقال الشعبي: (سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي} [الكهف:50 ]. فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم) .
    ومن الأدلة على أن الجن يتناكحون ولهم ذرية ما ورد في سورة الجن، من أن للجن رجالاً، قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}[ الجن: 6]، ومتى كان فيهم رجال ففيهم إناث، وذلك يقتضي التناسل .
    ومن الأدلة ما جاء في تفسير الخبث والخبائث في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد العزيز بن صهيب قال: () سمعت أنساً يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) . قال ابن حجر العسقلانيوالخبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يريد: ذكران الشياطين وإناثهم، قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما) . فقد دل هذا التفسير للحديث على أنه يوجد في الجن ذكران وإناث، وهو يقتضي الجماع والتناسل.
    وفي قوله تعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}[الأحقاف: 31]- إخباراً عن النفر الذين استمعوا إلى القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم - ما يفيد تناكح الجن وتناسلهم، قال ابن منظور: (والقوم: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل هو للرجال خاصة دون النساء).
    وقال: (وقوم كل رجل شيعته وقرابته). وعلى هذا الأساس فإن في الجن رجالاً ونساء وذلك يقتضي التناسل.
    وقد ذكر نفر بأنهم لا يتوالدون، والمراد من الذرية قي قوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي} [ الكهف: 50]. "بأنهم الأتباع من الشياطين، وعبر عنهم بذلك مجازاً تشبيهاً لهم بالأولاد .
    قال الألوسي: (وقيل - ولعله الحق - أن له أولاداً وأتباعاً ويجوز أن يراد من الذرية مجموعهما معا على التغليب، أو الجمع بين الحقيقة والمجاز عند من يراه، أو عموم المجاز) .
    والصحيح أن الجن يتناكحون ويتوالدون ... ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله سبحانه.
    المطلب الثالث: الجن يأكلون ويشربون
    اختلف العلماء في أن الجن هل يأكلون ويشربون أم لا؟ للعلماء في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
    أولاً: أن جميع الجن يأكلون ويشربون.
    ثانياً: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون.
    ثالثاً: أن قسماً منهم يأكل ويشرب, والقسم الآخر لا يأكل ولا يشرب.
    وقد اعتمد القائلون على أن قسماً من الجن لا يأكلون ولا يشربون على بعض الأحاديث، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب)) . قال السهيلي: (ولعل الصنف الثاني هو الذي لا يأكل ولا يشرب، إن صح أن الجن لا تأكل ولا تشرب) .
    ويقول القاضي بدر الدين الشبلي: (عن عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: وسئل عن الجن ما هم، وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون، منهم السعالي والقطرب وأشباه ذلك) . ويقول ابن حجر الهيتمي: (قال الإمام فخر الدين الرازي: اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون, ولا يشربون, ولا يتناكحون، وأما الجن فإنهم يأكلون, ويشربون, وينكحون, ويتوالدون) .
    والذي تدل عليه النصوص أن الجن يأكلون ويشربون، دون تخصيص بعضهم بذلك دون بعض، ففي حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن, قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم, وآثار نيرانهم, وسألوه الزاد, فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً, وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه: فلا تستنجوا بها فإنها طعام إخوانكم)) .
    وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد: إنْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم, أو روثة, أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك) .
    وقد ذكر عماد الدين العامري أن العظم الذي ذكر اسم الله عليه هو طعام المؤمنين من الجن، وأما الكافرون منهم فإنما طعامهم فيما لم يذكر اسم الله عليه .
    وقد ورد في الحديث الصحيح أن الشيطان يأكل ويشرب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)).
    وكذلك ما ورد من أن الشيطان يدخل هو وأتباعه على البيوت التي لا يذكر أصحابها اسم الله عز وجل، فيأكلون ويبيتون معهم، فعن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء)) .
    وقد ورد كذلك أن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، فعن حذيفة قال: ((كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيضع يده, وأنَّا حضرنا معه مرة طعاماً، فجاءت جارية كأنها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها. ثم جاء أعرابي كأنما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها. فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به. فأخذت بيده. والذي نفسي بيده، إن يده في يدي مع يدها)) .
    ففي الحديث دلالة على أن الشيطان يستحل الطعام بالأكل منه إذا لم يذكر اسم الله عليه، وقد كان الشيطان وراء تلك الجارية والأعرابي، يدفعهما بسرعة إلى الطعام، بحيث لا يذكرون اسم الله عليه، فبذلك يأكل الشيطان معهما من الطعام، ولذلك نزع عليه الصلاة والسلام أيديهما من الطعام، وذكر اسم الله، ثم أكل.
    وأما القول الثاني الذي يقول: إن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهو قول لا دليل عليه، وهو مخالف للأحاديث الصريحة، الدالة على أكل الجن وشربهم، يقول القاضي بدر الدين الشبلي: (فالقائلون أن الجن لا تأكل ولا تشرب، إن أرادوا أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، فهذا قول ساقط، لمصادمته الأحاديث الصحيحة، وإن أرادوا أن صنفاً منهم لا يأكلون ولا يشربون، فهو محتمل، غير أن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون) .
    ولكنه قد حصل خلاف بين العلماء في كيفية أكلهم وشربهم.
    فقال بعضهم: (إن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح، لا مضغ وبلع).
    وقال آخرون: (إن أكلهم وشربهم مضع وبلع) ، والذي تشهد له الأحاديث أن أكل الجن وشربهم مضغ وبلع، لا تشمم واسترواح كما قال بعضهم، فقد روى أبو داود عن أمية بن مخشي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً ورجل يأكل، فلم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله أوله وآخره, فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما ذكر اسم الله عز وجل استقاء ما في بطنه)) .
    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن وفداً من نصيبين سألوني الزاد، فلا تستنجوا بعظم ولا روثة، فإنهما طعام إخوانك من الجن، فقالوا: وما يغني ذلك عنهم؟ قال: لا يمرون بعظم إلا وجدوا عليه عرقة، ولا يمرون بروثة إلا وجدوا عليها طُعماً)) .
    ولو كان أكلهم تشمماً واسترواحاً لما سألوه الزاد ولاكتفوا بالعظم وحده. إلى غير ذلك من الأحاديث التي تدل على أنهم يأكلون ويشربون حقيقة، والله أعلم.

    المطلب الرابع: يتميزون بسرعة الحركة والقدرة على الأعمال الشاقة
    خص الله الجن عن الإنس بأن جعل لهم قدرات ومهارات عظيمة، فقد سخر الله الجن للنبي سليمان عليه السلام، فكانوا يبنون له القصور والمحاريب، ويصنعون التماثيل، ويعملون الجفان الواسعة للطعام، وحياض الماء الكبيرة، قال تعالى في وصف ذلك: {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [ سبأ: 13].
    فقد وصف الله هذه القدور بأنها راسيات. أي ثابتات لا تنتقل لضخامتها، وفي وصف الجفان بهذه الضخامة والاتساع، ووصف القدور بهذه الأحجام العظيمة دليل على قدرتهم العظيمة.
    وفي حديث القرآن عن عفريت أحد الجان - الذي تعهد بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ قبل قيام سليمان عليه السلام من مجلسه - دليل على حركتهم السريعة في التنقل، قال تعالى: {قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [ النمل: 39].
    وما ورد من ارتيادهم للفضاء، كما ورد في القرآن الكريم، في معرض الحديث عن استراق الجن لأخبار السماء ورميهم بالشهب، قال تعالى حكاية عنهم: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [ الجن: 9].
    ففي كل من هذه الآيات دليل على قدرتهم على الأعمال الشاقة، وسرعة تنقلهم بين الأماكن البعيدة، ولا غرابة في ذلك، فهم مخلوقات عنصرهم النار، التي تتميز بالخفة، فسبحان من أبدع كل شيء صنعاً.
    المطلب الخامس: الجن يموتون ويبعثون بعد الموت
    والجن مخلوقات تموت كما يموت الإنس، فمن الأدلة القرآنية على موتهم قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [ الأحقاف: 18].
    قال الألوسي: (واستدل بقوله عز وجل: {فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ} [ الأحقاف: 18]. الآية على أن الجن يموتون قرناً بعد قرن كالأنس) . وروي عن الحسن في بعض مجالسه: أن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت . ويقول ابن حجر الهيتمي معلقاً على قول الحسن هذا: (الآية دليل على أنهم يموتون، فإن أراد الحسن أنهم لا يموتون مثلنا، بل ينظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه، قلنا: إن أراد ذلك في بعضهم كشياطين إبليس وأعوانه فهو محتمل، وإن أراد ذلك نافاه ما ورد من الوقائع الكثيرة في موتهم) . قال القاضي بدر الدين الشبلي: (ومعنى قول الحسن أن الجن لا يموتون أنهم منظرون مع إبليس، فإذا مات ماتوا معه, وظاهر القرآن يدل على أن إبليس غير مخصوص بالانظار إلى يوم القيامة، أما ولده وقبيله فلم يقم دليل على أنهم منظرون معه وظاهر قوله تعالى: {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} [ الأعراف: 15]. يدل على أن ثمَّ منظرين غير إبليس، وليس في القرآن ما يدل على أن المنظرين هم الجن كلهم، فيحتمل أن يكون بعض الجن منظرين، أما كلهم فلا دليل عليه) .
    وسئل ابن حجر عن موت الجن فقال: (كل الحيوانات يموتون، وكذلك سائر العالم، لقوله تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [ الرحمن: 26]. مع قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [ القصص: 88]).
    وأما الدليل من السنة على موتهم:
    فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) . وهو أصرح الأحاديث الدالة على موت الجن ...
    وأخرج عن ابن جرير عن ابن عباس قال: (وكل ملك الموت بقبض أرواح المؤمنين والملائكة, وملك بالجن، وملك بالشياطين، وملك بالطير والوحوش والسباع والحيات، فهم أربعة أملاك) .
    ... حديث الفتى الذي صرعه الجني، وفيه دليل على أن الجن يموتون، فقد ورد في الحديث: ((فما يدرى أيهما أسرع موتاً الحية أم الفتى)) . وقد كانت تلك الحية من الجن الذين يسكنون المدينة، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث: ((إن في المدينة جناً قد أسلموا..)) .
    وأما عن بعثهم بعد الموت فإن كثيراً من الآيات القرآنية التي توعدت العصاة والكفرة، قد دلت على بعثهم بعد الموت ومحاسبتهم على أعمالهم، قال الله تعالى في سؤال الكفرة من الجنسين في الآخرة: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلى} [ الأنعام: 130]. وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [ هود: 119].
    الفصل الرابع: تكليف الجن وجزاؤهم والرسل المرسلة إليهم
    المبحث الأول: تكليف الجن.
    تمهيد
    نصت كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، وأنهم مأمورون بفعل الطاعات والقيام بالعبادات، وأنهم منهيون عن ارتكاب المعاصي والمحرمات، وأنهم مختارون لهذا الأمر والنهي، وهذا ما عليه جمهور أهل الإسلام. وهم بهذا كالبشر الذين كلفهم الله بالتكاليف الشرعية أمراً ونهياً .
    وذهب قوم إلى أن الجن مضطرون، أي أنهم غير قادرين على فعل الطاعات أو ارتكاب المنهيات، وعلى هذا الأساس فهم غير مكلفين، وهذا يقتضي عدم الجزاء بالثواب على فعل الطاعات، وعدم الجزاء بالعقاب على ارتكاب المنهيات .
    وقد نقل القاضي عبد الجبار الهمداني هذا القول عن زرقان الذي حكاه عن بعض الحشوية على ما ذكره ابن حجر العسقلاني في فتح الباري .
    والصواب الذي لا ريب فيه أن الجن مكلفون أمراً ونهياً، مختارون لهذا التكليف، قال ابن القيم: (الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون، مكلفون بالشريعة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر، وإضافة القول إلى المعتزلة بتكليفهم، بمنزلة أن يقال: ذهب المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان، ونحو ذلك مما هو من أقوال سائر أهل الإسلام) . وقال الإمام القرطبي: (إن سورة الرحمن, والأحقاف, وقل أوحي دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون، مأمورون منهيون، معاقبون كالإنس سواء بسواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك) . وقال الفخر الرازي: (وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون) . ونقل مثل هذا القول ابن حجر العسقلاني عن القاضي عبد الجبار الهمداني , ورجح القاضي عبد الجبار قول الجماعة بعد أن ذكر عن بعض الحشوية قولهم: بأن الجن مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين، ثم قال: (والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي، مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على تكليفهم كثيرة جداً) .


+ الرد على الموضوع
صفحة 31 من 32 الأولىالأولى ... 21 29 30 31 32 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك